تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إحياء علوم الدين — صفحة 47

مساهمون:

ص٤٧
سماعه من يخاطب به غيره ، فهذا من الإشارة باختلاف ورود الخطاب إليهما ، مما يوجب نفورا ، وتباين ما بينهما ، فإن فهمت الآن وإلا فقد عنى لاندر بحبال . فإن قيل : ألم يقل الله تعالى * ( فَلا يُظْهِرُ عَلى غَيْبِه ِ أَحَداً إِلَّا من ارْتَضى من رَسُولٍ ) * « 1 » وسماع كلام الله تعالى بحجاب أو بغير حجاب ، وعلم ما في الملكوت ومشاهدة الملائكة ، وما غاب عن المشاهدة والحس من أجل الغيوب ، فكيف يطلع عليها من ليس برسول ؟ قلنا : في الكلام حذف يدل على صحة تقديره الشرع الصادق ، والمشاهدة الصورية ، أن يكون معناه إلا من ارتضى من رسول ، ومن اتبع الرسول بالإخلاص والاستقامة أو عمل بما جاء به ، لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال « اتّقوا فراسة المؤمن فإنّه ينظر بنور الله » وهل يبقى إلا ما غاب عنه أن ينكشف إليه ، وقال « إن يكن منكم محدّثون فعمر » أو كما قال « المؤمن ينظر بنور الله » وفي القرءان العزيز * ( قالَ الَّذِي عِنْدَه ُ عِلْمٌ من الْكِتابِ أَنَا آتِيكَ به قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ ) * « 2 » فعلم ما غاب عن غيره من إمكان بيان ما وعد به ، وأراد أنه قدر عليه ، ولم يكن نبيا ولا رسولا ، وقد أنبأ الله سبحانه وتعالى عن ذي القرنين من إخباره عن العلوم الغيبية ، وصدقه فيه حين قال * ( فَإِذا جاءَ وَعْدُ رَبِّي جَعَلَه ُ دَكَّاءَ وكانَ وَعْدُ رَبِّي حَقًّا ) * « 3 » وإن كان وقع الاختلاف في نبوة ذي القرنين فالإجماع على أنه ليس برسول ، وهو خلاف المسطور في الآية ، وإن رام أحد المدافعة بالاحتيال لما أخبر به ذو القرنين ، وما ظهر على يدي الذي كان عنده علم من الكتاب ، وأراد أن يجوز على عمر التشبه بالحقائق ، فما يصنع فيما جرى للخضر ، وما أنبأ الله سبحانه ، وأظهر عليه من العلوم الغيبية ، وهو بعد أن يكون نبيا فليس برسول على الوفاق من الجميع والله تعالى يقول * ( إِلَّا من ارْتَضى من رَسُولٍ ) * « 4 » فدل على أن في الآية حذف مضاف معناه ما تقدم وانظر إلى ما ظهر من كلام سعد رضي الله عنه ، أنه يرى الملائكة وهو غيب الله وأعلم أبو بكر بما في البطن وهي من غيب الله ، وشواهد الشرع كثيرة جدا ، يعجز
هامش
« 1 » الجن : 26 « 2 » النمل : 40 « 3 » الكهف : 98 « 4 » الجن : 26
إحياء علوم الدين — صفحة 47 | الغزالي