تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إحياء علوم الدين — صفحة 46

مساهمون:

ص٤٦
بادر الشك العارض في مسالك الحقائق فنقول : ليس في الآية ما يرد ما قلنا ، ولا يكسره لأنا ما أوجبنا أنه كلمه قصدا ولا توخاه بالخطاب عمدا وانما قلنا يجوز أن يسمع ما يخاطب الله تعالى به غيره مما هو أعلى منه أليس من يسمع كلام إنسان مثلا مما يتكلم به غير السامع فيقال فيه إنه كليمه وقد حكي أن طائفة من بني إسرائيل سمعوا كلام الله تعالى الذي خاطب به موسى حين كلمه ثم إذا ثبت ذلك لم يجب لهم به درجة موسى عليه السلام ولا المشاركة في نبوته ورسالته على أنا نقول نفس ورود الخطاب إلى السامعين من الله تعالى ، يمكن الاختلاف فيه فيكون النبي المرسل يسمع كلام الله تعالى عز وجل الذاتي القديم ، بلا حجاب في السمع ، ولا واسطة بينه وبين القلب ، ومن دونه يسمعه على غير تلك الصورة ، مما يلقى في روعه ، ومما ينادى به في سمعه أو سره ، وأشباه ذلك كما ذكر أن قوم موسى عليه السلام ، حين سمعوا كلام الله سبحانه مع موسى أنهم سمعوا صوتا كالشبور وهو القرءان ، فإذا صح ذلك فبتباين المقامات اختلف ورود الخطاب ، فموسى سمع كلام الله بالحقيقة الذي هو صفة له بلا كيف ولا صورة نظم الحروف ، ولا أصوات ، والذين كانوا معه أيضا ، سمعوا صوتا مخلوقا جعل لهم علامة ودلالة على صحة التكليم وخلق الله سبحانه لهم بذلك العلم الضروري ، وسمى ذلك الذي سمعوه كلامه ، إذ كان دلالة عليه ، كما تسمى التلاوة وهي الحروف المتلو بها القرءان كلام الله تعالى إذ هي دلالة عليه فان قلت : فما يبقى على السامع إذا سمع كلام الله تعالى الذي يستفيد معرفة وحدانيته وفقه أمره ونهيه ، وفهم مراده وحكمه ، يلحقه العلم الضروري فيما أرى بأنه الشيء المرسل ، إلا بأن يشتغل بإصلاح الخلق دورته ، ولو كان عوضا منه أخّر عنه ومقامه مقامه فاعلم أن الذي أوجب عثورك ودوام زللك ، واعتراضك على العلوم بالجهل ، وعلى الحقائق بالمخايل ، أنك بعيد عن غور المطالب ، قعيد في شرك المعاطب ، قعيد صوب الصوت ، عتيد صخب السحاب ، إن الذي استحق به الناظر السالك الواصل المرتبة الثالثة سماع نداء الله تعالى معنى ومقام وحال وخاصة أعلى من تلك الأولى وأجل وأكبر ، وبينهما ما بين من استحق المواجهة بالخطاب والقصد به ، وبين من لا يستحق أكثر من