وعياذ باللَّه من أين يحتمل هذا القول ما حملوه من المذهب أليسوا وهم يعرفون أن كثيرا ممن يكون بحضرة ملك من ملوك الدنيا وهو يخاطب إنسانا آخر قلد ولاية كبيرة وفوض إليه عملا عظيما ، وحباه حباء خطيرا ، وهو ينادى باسمه أو يأمره بما يمتثل من أمره ، ثم إن السامع للملك الحاضر معه غير المولى ، لم يشارك المولى المخلوع عليه ، والمفوض إليه في شيء مما ولي وأعطى ، ولم تجب له بسماعه ومشاهدته أكثر من حظوة القربة ، وشرف الحضور ، ومنزلة المكاشفة من غير وصول إلى درجة المخاطب بالولاية ، والمفوض إليه الأمر ، ولذلك هذا السالك المذكور إذا وصل في طريقه ذلك ، بحيث يصل بالمكاشفة والمشاهدة واليقين التام الذي يوجب المعرفة والعلم بتفاصيل المعلوم ، فلا يمتنع أن يسمع ما يوحى لغيره من غير أن يقصد هو بذلك ، إذ هو محل سماع الوحي على الدوام ، وموضع الملائكة ، وكفى بها أنها الحضرة الربوبية ، وموسى عليه السلام ما استحق الرسالة والنبوة ، ولا استوجب التكليم وسماع الوحي مقصودا بذلك ، بحلوله في هذا المقام الذي هو المرتبة الثالثة فقط ، بل قد استحق ذلك بفضل الله تعالى حين خصه بمعنى آخر ترقى إلى ذلك المقام أضعافا ، فجاوز المرتبة الرابعة ، لأن آخر مقامات الأولياء أول مقامات الأنبياء ، وموسى عليه السلام نبي مرسل ، فمقامه أعلى بكثير مما نحن آخذون في أطرافه لأن هذا المقام الذي هو المرتبة الثالثة ، ليست من غايات مقام الولاية بل هو إلى مباديها أقرب منه إلى غايتها ، فمن لم يفهم درجات المقام ، وخصائص النبوة ، وأحوال الولايات كيف يتعرض للكلام فيها ، والطعن على أهلها ، هذا لا يصلح إلا لمن لا يعرف أنه مؤاخذ بكلامه ، محاسب بظنه ويقينه ، مكتوب عليه خطراته ، محفوظ عليه لحظاته ، مخلصا منه يقظاته وغفلاته ف * ( ما يَلْفِظُ من قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْه ِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ ) * « 1 » فإن قلت : أراك قد أوجبت له نداء الله تعالى ، ونداء كلامه ، والله تعالى يقول * ( تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنا بَعْضَهُمْ عَلى بَعْضٍ مِنْهُمْ من كَلَّمَ الله ورَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجاتٍ ) * « 2 » فقد نبه أن تكليم الله تعالى لمن كلمه من الرسل إنما هو على سبيل المبالغة في التفضيل ، وهذا لا يصلح أن يكون لغيره ليس بنبي ولا رسول ، وإذا بان السبب وقصد
هامش
« 1 » ق : 18
« 2 » البقرة : 253