السلام صورة محسوسة ، مكنونة مخلوقة ، مقدرة بالفعل ، وهي لله تعالى مضافة باللفظ ، وذلك أن هذه الأسماء لم تجتمع مع صفات آدم إلا في الأسماء التي هي عبارة تلفظ فقط ، ولا يفهم من ذلك نفي الصفات فليس هو مرادنا ، وإنما مرادنا تباين ما بين الصورتين بأبعد وجوه الإمكان ، حتى لم تجتمع مع صفات الله تعالى إلا في الأسماء الملفوظ بها لا غير ، وفرارا أن نثبت صورة لله تعالى ، ويطلق عليها حالة الوجود ، فافهم هذا ، فإنه من أدق ما يقرع سمعك ، ويلج قلبك ، ويظهر لعقلك ، ولهذا قيل لك ، فإن كنت تعتقد الصورة الظاهرة ومعناه إن حملت إحدى الصورتين على الأخرى في الوجود ، تكن مشبها مطلقا ومعناه تتيقن أنك من المشبهين لا من المنزهين ، على نفسك بالتشبيه معتقدا ، ولا تنكر كما قيل : كن يهوديا صرفا وإلا فلا تلعب بالتوراة ، أي تتلبس بدينهم وتريد أن لا تنسب إليهم ، أي لا تقرأ التوراة ولا تعمل بها ، وإن كنت تعتقد الصورة الباطنة ، منزها مجللا ومقدسا مخلصا ، أي ليس تعتقد من الإضافة في الضمير إلى الله تعالى إلا الأسماء دون المعاني ، فتلك المعاني المسماة لا يقع عليها اسم صورة على حال ، وقد حفظ عن الشبلي رحمة الله عليه ، في معنى ما ذكرناه من هذا الوجه قول بليغ مختصر ، حين سئل عن معنى الحديث ، فقال : خلقه الله على الأسماء والصفات ، لا على الذات .
فإن قلت : فكذا قال ابن قتيبة في كتابه المعروف بتناقض الحديث ، حين قال هو صورة لا كالصور ، فلم أخذ عليه في ذلك ، وأقيمت عليه الشناعة به وأطرح قوله ، ولم يرضه أكثر العلماء وأهل التحقيق .
فاعلم أن الذي ارتكبه ابن قتيبة عفا الله عنه نحن أشد إعراضا عنه ، وأبلغ في الإنكار عليه وأبعد الناس عن تسويغ قوله ، وليس هو الذي ألممنا نحن به وأفدناك بحول الله وقوته إياه ، بل يدل منك أنك لم تفهم غرضنا ، وذهلت عن تعقل مرادنا ، ولم تفرق بين قولنا وبين ما قاله ابن قتيبة ، ألم أخبرك أننا أثبتنا الصورة في التسميات ، وهو أثبتها حالة للذات ، فأين من لب الجوز ، قشور تفرقع ، والذي يغلب على الظن في ابن قتيبة أنه لم يقرع سمعه هذه الدقائق التي أشرنا إليها وأخرجناها إلى حيز الوجود ، بتأييد الله تعالى بالعبارة عنها ، وإنما ظهر له شيء لم يكن له به إلف وعلاه الدهش ، فتوقف بين ظاهر الحديث الذي هو
إحياء علوم الدين — صفحة 43
مساهمون: الغزالي
ص٤٣