وحياته ، فيها تظهر بتلك الشمس ، وكذلك روح الإنسان به حصل في الظاهر نمو أجزاء بدنه ، ونبات شعره ، وحلول حياته ، وجعلت الشمس وسط العالم ، وهي تطلع بالنهار ، وتغرب بالليل ، وجعلت الروح وسط جسم الإنسان ، وهي تغيب بالنوم ، وتطلع باليقظة ونفس الإنسان تشابه القمر ، من حيث إن القمر يستمد من الشمس ، ونفسه تستمد من الروح ، والقمر خالف الشمس ، والروح خالف النفس ، والقمر آية ممحوة ، والنفس مثلها ، ومحو القمر في آن لا يكون ضياؤه منه ، ومحو النفس في آن ليس عقلها منها ، ويعترى الشمس والقمر وسائر الكواكب كسوف ، وتعترى النفس والروح وسائر الحواس غيب وذهول ، وفي العالم نبات ومياه ورياح وجبال ، وحيوان ، وفي الإنسان نبات ، وهو الشعر ، ومياه وهو العروق ، والدموع والريق والدم ، وفيه جبال ، وهي العظام ، وحيوان وهي هوام الجسم ، فحصلت المشابهة على كل حال ، ولما كانت أجزاء العالم كثيرة ، ومنها ما هي لنا غير معروفة ، ولا معلومة ، كان في استقصاء مقابلة جميعها تطويل ، وفيما ذكرناه ما يحصل به لذوي العقول تشبيه وتمثيل فإن قلت : أراك فرقت بين النفس والروح ، وجعلت كل واحد منهما غير الآخر ، وهذا فلما تساعد عليه ، إذ قد كثر الخلاف في ذلك فاعلم أنه إنما على الإنسان أن يبنى كلامه على ما يعلم لا على ما يجهل ، وأنت لو علمت النفس والروح علمت أنهما اثنان فان قلت : فقد سبق في الإحياء أنهما شيء واحد ، وقلت في هذه الإجابة إن النفس من أسماء الروح ، فالذي سبق في الإحياء ورأيت في هذه الإجابة ، وهو شيء واحد لا يتناقض مع ما قلناه الآن ، وذلك أن لها معنى يسمى بالروح تارة ، وبالنفس أخرى ، ويغير ذلك ، ثم لا يبعد أن يكون لها معنى آخر ينفرد باسم النفس فقط ، ولا يسمي بروح ولا غير ذلك ، فهذا آخر الكلام في أحد وجهي الإضافة التي في ضمير صورته ، والوجه الآخر وهو أن من حمل إضافة الصورة إلى الله تعالى على معنى التخصص به ، فذلك لأن الله سبحانه نبأ بأنه حي قادر ، سميع بصير ، عالم مريد ، متكلم ، فاعل ، وخلق آدم عليه السلام ، حيا ، قادرا ، عالما ، سميعا ، بصيرا ، مريدا ، متكلما ، فاعلا ، وكانت لآدم عليه
إحياء علوم الدين — صفحة 42
مساهمون: الغزالي
ص٤٢