ثم معلوم أن الإله واحد ، والحوادث كثيرة فكيف يرى صاحب هذه المرتبة الأشياء شيئا واحدا ، أذلك على طريق قلب الأعيان ، فتعود الحوادث قديمة ، ثم تتحد بالواحد فترجع هي هو ، وفي هذا من الاستحالة والمروق عن مصدر العقل ما يغنى عن إطالة القول فيه ، وإن كان على طريق التخييل للولي لما لا حقيقة له فكيف يحتج به ، أو كيف يعدّ حالا لولي أو فضيلة لبشر الجواب عن ذلك : أن الحوادث لم تنقلب إلى القدم ، ولم تتحد بالفاعل ، ولا اعترى الولي تخييل فتخيّل ما لا حقيقة له ، وإنما هو ولي مجتبى ، وصديق مرتضى ، خصه الله تعالى بمعرفته على سبيل اليقين ، والكشف التام ، وكشف لقلبه ما لو رآه ببصره عيانا ما ازداد إلا يقينا ، وإن أنكرت أن يكون وهب الله المعرفة به على هذا السبيل أحدا من خلقه ، فما أطمّ مصيبتك وما أعظم العزاء فيك ، حين فتشت الخلق بمعيارك ، وكلتهم بمكيالك وفضلت نفسك على الجميع ، إذ لا سبب لإنكارك إن صح ، إلا أنك تخيلت أنه لم يرزق أحدا ما لم ترزق ، أو يخص من المعرفة ما لم تخص فإذا تقررت هذه القاعدة فصار ما كشف لقلبه لا يخرج منه ، وما اطلع عليه لا يغيب عنه ، وما ذكره من ذلك لا ينساه ولا في حال نومه وشغله ، وهذا موجود فيمن كثر اهتمامه بشيء ، وثبت في قلبه حاله إنه إذا نام أو اشتغل لم يفقده في شغله ونومه كما لا يفقده في يقظته وفراغه ، ولهذا والله أعلم إذا رأى الولي المتمكن في رتبة الصدّيقين مخلوقا كان حيا أو جمادا صغيرا أو كبيرا ، لم يره من حيث هو هو ، وإنما يراه من حيث أوجده الله تعالى بالقدرة ، وميزه بالإرادة على سابق العلم القديم ، ثم أدام القهر عليه في الوجود ، ثم لما كانت الصفات المشهورة آثارها في المخلوقات ليست لغير الموصوف الذي هو الله عز وجل له ألهت الولي عن غيره ، وصار لم ير سواه ومعنى ذلك أنه لا يتميز بالذكر في سر القلب وخير المعرفة ولا بالإدراك في ظاهر الحس ، دون ما كان موجودا به وصار عنه فانيا ، فبعد هذا على من أصحبه أن أن لا يحتاج إليها مع هذا الوضوح ، ولا فهم إلا باللَّه ، ولا شرح إلا منه ، ولا نور إلا من عنده ، وله الحول والقوة وهو العلي العظيم
إحياء علوم الدين — صفحة 40
مساهمون: الغزالي
ص٤٠