تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إحياء علوم الدين — صفحة 37

مساهمون:

ص٣٧
بل هو من خدام الشرع ، وحراس متبعيه من أهل الاختلاس والقطع ، وله مقام على قدره ، ويقطع به ولكن ليس عن مطالع الأنوار ، ومدارك الاستبصار والمدار في أوقات الضرورات والاختيار ، وبين ما يراد لوقت حاجته إن دعت وخصام صاحب بدعة ومناضلة ذي ضلالة بما ينغص على ذوي اليقين العيش ، ويشغل الذهن ، ويكدر النفس ، وما أهله الذين حفظ عنهم ووقع علمه فيما مضى من الزمان إليهم ، لا نقول في أكثرهم إنهم لا يحسنون غيره ، ولا يختصون بالتوحيد بمقام سواه بما هو أعلى منه ، بل الظن بهم أنهم علماء مثل ما ذكرنا ، فهم نصراء لكنهم لم يبدوا من العلم في الظاهر إلا ما كانت الحاجة إليه أمس ، والمصلحة به لتوجه الضرورة أعم وأوكد ، ولما كان نجم في وقتهم من البدع ، وظهر من الأهواء وشاع من تشتيت كلمة أهل الحق ، وتجرأ العوام مع كل ناعق ، فرأوا لرد عليهم ، والمنازعة لهم ، والسعي في اجتماع الكلمة على السنة بعد افتراقها وإهلاك ذوي الكيد في احتيالهم ، وإخماد نارهم الذين هم أهل الأهواء والفتن ، وأولى بهم من الكلام بعلوم الإشارات ، وكشف أحوال أرباب المقامات ، ووصف فقه الأرواح والنفوس ، وتفهم كل ناطق وجامد ، فإن هذه كلها وإن كانت أسنى وأعلى فإن ذلك من علم الخواص ، وهم مكفيون المؤنة ، والعامة أحق بالحفظ ، وعقائدهم أولى بالحراسة ، واستنقاذ من يخاف عليه الهلاك أولى من مؤانسة وحيد ، والتصدق على ذي بلغة من العيش ، فكيف إن كان عن غناء ، وأيضا فإن علم الكلام إنما يراد كما قلنا للجدال ، وهو يقع من العلماء العارفين مع أهل الإلحاد والزبغ ، لقصورهم عن ملاحظة الحق موقع السيف للأنبياء والمرسلين عليهم السلام ، بعد التبليغ مع أهل العناد ، والتمادي على الغي وسبيل الفساد ، فكما لا يقال السيف أبلغ حجة النبي صلى الله عليه وسلم ، كذلك لا يقال علم الكلام والجدال أبلغ مقام من ظهر منه من العلماء ، وكما لا يقال في الصدر الأول فقهاء الأمصار ، ومن قبلهم حين لم يحفظ عنهم في الغالب إلا علوم أخر ، كالفقه والحديث والتفسير ، لأن الخلق أحوج إلى علم ما حفظ عنهم ، وذلك لغلبة الجهل على أكثرهم ، فلو لا أن حفظ الله تعالى تلك العلوم بمن ذكرنا لجهلت العبارات ، وانقطعت علم الشرع ، ونحن مع هذه الحالة نعلم أنهم عارفون بالتوحيد على جهة اليقين ، بغير طريق علم الكلام