والجدل ، يتحلون بالمقامات المذكورة ، وإن لم يشتهر عنهم ذلك اشتهار ما أخذه عنهم الخاص والعام ، ومثل ذلك حالة الصحابة رضي الله عنهم بعد النبي صلى الله عليه وسلم ، لما خافوا دروس الإسلام ، وأن يضعف ويقل أهله ، ويرجع البلاد والعامة إلى الكفر كما كانوا أول مرة ، فقد مات صاحب المعجزة صلى الله عليه وسلم ، والمبعوث لدعوة الحق عليه السلام ، رأوا أن الجهاد والرباط في ثغر العدو والغزو في سبيل الله ، وضرب وجوه الكفر بالسيف ، وإدخال الناس في دين الله ، أولى بهم من سائر الأعمال ، وأحق من تدريس العلوم كلها ، ظاهرا وباطنا ، وإنما كانت تؤخذ عنهم علوم الشرع على الأقل ، وهم في حال ذلك الشغل والنظر إلى حال العموم أوكد من النظر إلى الخصوص ، لأن الخصوص لهم بأنفسهم عناء ، ولهم بحالهم قيام ، والعموم إن لم يكن مشتغلا بهم ، ذائدا لهم عن هلكاتهم وسائقا بهم إلى مراشدهم وصلاحهم ، كان الهلاك إليهم أسرع ، ثم لا يكون من بعد ذلك أن فسد حال العموم للخصوص قدر ، ولا يظهر لهم نور ، ولا يقدرون على شيء كامل من البر ، فلا خاصة إلا بعامة ، ولقد كانت رعاية النبي صلى الله عليه وسلم بحال الجماهير أكثر ، والخوف عليهم من الزيغ والضلال والهلاك أشد ، واللطف بهم في تخفيف الوظائف والأخذ بالرفق أبلغ ، وكان أهل القوة وذوي البصائر في الحقائق يأخذون أنفسهم بالمشقات ، وكان هو صلى الله عليه وسلم يحب أن يعمل بالعمل من الطاعة فيما يمنعه منه ، أو من المداومة عليه إلا خوف أن يفرض على أمته ، حين علم من أكثرهم الضعف ، ولم يكره لهم وفيه زيادة الأجر ، وكثرة الثواب والقرب من الله تعالى ، ولكن خاف عليهم أن يقعوا في تضييع الفرض ، فيكون عليهم كفل من الوزر ، ألا ترى كيف نهى الخلق عن قيام الليل كله . وكان عثمان رضي الله عنه يقومه فلم ينهه ، ومنع السيف من كل من أراد أخذه بما شرط عليه فيه ، حتى جاء من علم منه القدرة على الوفاء بما شرط عليه فأعطاه إياه ، وقال لعائشة رضي الله عنها « لولا حدثان عهد قومك بالكفر لرددت البيت على قواعد إبراهيم » وقال للأنصار « أما ترون أن يذهب النّاس بالشّاء والبعير فتذهبون برسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم إلى رحالكم » ومع ذلك فالذي حفظ عنه صلى الله عليه وسلم ، وعن الصحابة
إحياء علوم الدين — صفحة 38
مساهمون: الغزالي
ص٣٨