أحدكم قوما بحديث لم تصله عقولهم إلَّا كان عليهم فتنة « وعلى هذا يخرّج قول المشايخ : إفشاء سر الربوبية كفر ، رزقنا الله وإياكم قلوبا واعية الخير ، إنه وليّ كل صالح ، وإذا علمت أن الحد الأوّل قد تقرر علمه في كتب الرواية والدراية ، وملئت منه الطروس ، وكثرت به في المحافل الدروس . وهو غير محجوب عن طالب ، ولا ممنوع عن راغب ، قد أمر الجهال به أن يتعلموه ، والعلماء أن يبذلوه ويعلموه ، فلا نعيد فيه هاهنا قولا ، ولما كان حكم الحد الثالث الكتم تارة وتسكيت الكلام عنه مع غير أهله على كل حال . لم يكن لنا سبيل إلى تعدّ إلى محدودات الشرع فلنثن العنان إلى الكلام بالذي يليق بهذا الحال والمقام ، فنقول :
أرباب المقام الثالث في التوحيد ، وهم المقربون ، على ثلاثة أصناف ، وعلى الجملة فكلهم نظروا إلى المخلوقات فرأوا علامات الحدوث فيها لائحة ، وعاينوا حالات الافتقار إلى الله تعالى عليهم واضحة ، وسمعوا جميعها تدل على توحيده وتفريده راشدة ناصحة ، ثم رأوا الله تعالى بإيمان قلوبهم . وشاهدوه بغيب أرواحهم ، ولاحظوا جلاله وجماله بخفي أسرارهم ، وهم مع ذلك في درجات القرب على قدر حظ كل واحد منهم في اليقين وصفاء القلب ، وهؤلاء الأصناف الثلاثة إنما عرفوا الله سبحانه بمخلوقاته ، وانقسامهم في تلك المعرفة كانقسام حفاظ تلاوة القرءان مثلا ، فمن حافظ لبعضه ويكون ذلك البعض أكثر ، أو كثيرا منه دون كماله ، ومن حافظ لجميعه لكنه متلعثم فيه ، متوقف على الانهمار في قراءته ، ومن حافظ في تلاوته غير متوقف في شيء منه ، وكلهم ينسب إليه ويعد في المشهد والمغيب من أهله ، وكذلك أهل هذه المرتبة أيضا منهم متوصل إلى المعرفة من قراءة صفحات أكثر المخلوقات ، أو كثير منها . وربما كان فيما يقرأ من الصفحات ما يغم عليه ، ومن قارئ لجميعها متفهم لها ، لكن بنوع تعب ، ولزوم فكرة ، ومداومة عبرة ، ومن ماهر في قراءتها مستخرج لرموزها ، ناقد البصيرة في رؤية حقيقتها ، مفتوح السمع ، تناطقه الأشياء في فراغه وشغله ، وبحسب ذلك اختلف أحوالهم ، في الخوف والرجاء والقبض والبسط والفناء والبقاء ولا مزيد على هذا المثال ، فهو أصلح لذوي الأفهام من شمس النهار وقت الزوال ،
إحياء علوم الدين — صفحة 35
مساهمون: الغزالي
ص٣٥