تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إحياء علوم الدين — صفحة 36

مساهمون:

ص٣٦
وعلمت لم سمي أهل هذه المرتبة مقربين ، فذلك لبعدهم عن ظلمات الجهل وقربهم من أنوار المعرفة والعلم ، ولا أبعد من الجاهل ، ولا أقرب من العارف العالم ، والقرب والبعد هاهنا عبارتان عن حالتين على سبيل التجوز في لسان الجمهور ، وعلى الحقيقة عند المستعملين لهما في هذا الفن أحد الحالتين ، عماء البصيرة ، وانطماس القلب ، والخلوّ عن معرفة الرب سبحانه وتعالى ، ويسمى هذا بعد مأخوذ من البعد عن محل الراحة والمنزل الواجب ، وموضع العمارة والأنس ، والانقطاع في مهامه القفر وأمكنة الخوف ، ومظان الانفراد والوحشة والحالة الثانية : عبارة عن اتّقاد الباطن ، واشتعال القلب ، وانفساح الصدر ، بنور اليقين والمعرفة والعقل ، وعمارة البيت بمشاهدة ما غاب عنه أهل الغفلة واللهو ، ولكنه يدل على أنه لم يصل لعلك تقول أرى بعض أئمة الكلام عن لحوق هذا المقام كأن لم يضربوا فيه بسهم ، ولم يفز قدحهم منه بحظ ولا سهم ، وأراهم عند الجمهور في الظاهر . وعند أنفسهم انهم أهل الدلالة على الله تعالى ، وقادة الخلق إلى مراشدهم ، ومجاهدون أرباب النحل المردية . والملل الضالة المهلكة ، وقد سبق في الإحياء أنهم مع العوام في الاعتقاد سواء ، وإنما فارقوهم بإحسانهم حراسة عقودهم فاعلم أن ما رأيت في الإحياء صحيح ، ولكن بقي في كشفه أمر لا يخفى على المستبصرين ولا يغيب عن الشاذين ، إذا كانوا منصفين ، وهو أن المتكلمين من حيث صناعة الكلام فقط ، لم يفارقوا عقود العوام ، وإنما فارقوهم بالجدل عن الانخرام ، والجدل علم لفظي ، وأكثره احتيال وهمي ، وهو عمل النفس ، وتخليق الفهم ، وليس بثمرة المشاهدة والكشف ، ولأجل هذا كان فيه السمين والغث ، وشاع في حال النضال إيراد القطعي وما هو حكمه من غلبة الظن ، وإبداء الصحيح ، وإلزام مذهب الخصم ، والمقام المشار إليه بالذكر وشبهه ، إنما هو علم التوحيد ، وفهم الأحوال ومعرفته باليقين التام ، والعلم المضارع للضروري ، بأن لا إله إلا الله ، إذ لا فاعل غيره ، ولا حاكم في الدارين سواه ، ومشاهدة القلوب لما حجب من الغيوب ، ومن أين للنازل طي المنازل ، وما لعلم الكلام مثل هذا المقام