تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إحياء علوم الدين — صفحة 34

مساهمون:

ص٣٤
لأن الحد الأوّل فيه محض النصح للخلق ، واستنقاذهم من غمرة الجهل ، والتنكيب بهم من مهاوي العطب ، وقودهم إلى معرفة هذا المقام ، وما وراءه مما هو أعلى منه مما لهم فيه الملك الأكبر ، وفوز الأبد ، وقد بين لهم غاية البيان ، وأقيم عليه واضح البرهان ، وهو يومئذ الطريق ، وأول سبيل السعادة ، فمن عجز عن ذلك كان عن غيره أعجز ، ومن سلكه على استقامة فالغالب عليه الوصول ، إن الله لا يضيع أجر من أحسن عملا ، ومن وصل شاهد ، ومن شاهد علم ، وذلك غاية المطلوب ، ونهاية المرغوب والمحبوب ، ومن قعد حرم الوصول وما بعده . * ( فَضَّلَ الله الْمُجاهِدِينَ عَلَى الْقاعِدِينَ أَجْراً عَظِيماً ) * « 1 » ومن غاب لم تنفعه الأخبار : ولم يفده كثير من الأحاديث ، وأيضا فإن الأخبار بما وراء الحد الأول والثاني على وجهه لو كشف للخلق كافة ، وأمكن بما أعد من الكلام وجرى بين الناس من عرف التخاطب ، كان فيه زيادة محنة ، وسبب فيه إهلاك أكثرهم ممن ليس من أهل ذلك المقام ، وذلك لغرابة العلم ، وكثرة غموضه ودقة معناه ، وعلوه في منازل الرفعة وبعده بالجملة والتفصيل ، من جميع ما عهد في عالم الملك والشهادة ، وخروجه عن تلك الحدود المألوفة ومباينته لكل ما نشئوا عليه ، ولم يشاهدوا غيره من محسوسات ومعقولات وضروريات ونظريات ، فلما كان لا يدرك شيء من ذلك بقياس ، ولا يتصوّر بواسطة لفظ ولا يحمل عليه مثل ، كما قال عز وجل * ( فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ ما أُخْفِيَ لَهُمْ من قُرَّةِ أَعْيُنٍ ) * « 2 » وحكي عن ابن عباس رحمه الله أنه قال : ليس عند الناس من علم الآخرة إلا الأسماء ، وأراد من لم ينكشف شيء له من علمها وحقائقها في الدنيا ، وأيضا فلو جاز الإخبار بها لغير أهلها لم يكن لهم سبيل إلى تصورها إلا على خلاف ما هي عليه بمجرد تقليد ، ويتطرق إليه من أهل الغفلة وذوي القصور جحود وتبعيد ، فلهذا أمروا بالكتم إشفاقا على من حجب من العلم ولهذا قال سيد البشر صلى الله عليه وسلم « لا تحدّثوا النّاس بما لم تصله عقولهم أتريدون أن يكذّب الله ورسوله » وقال صلى الله عليه وسلم « ما حدّث
هامش
« 1 » النساء : 95 « 2 » السجدة : 17