تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إحياء علوم الدين — صفحة 30

مساهمون:

ص٣٠
قد رفع القتال والقتل ، وأوجب حكم الإيمان أو الإسلام ، لمن قال لا إله إلا الله واعتقد عليها ، وهذه الكلمات لا تقتضي أكثر من اعتقاد الوجود مع الوحدة في الظاهر ، وعلى البديهة من غير نظر ، ثم سمعنا عمن قالها في صدر الإسلام أنه لم يعلم بعدها إلا فرائض الوضوء والصلاة وهيئات الأعمال البدنية ، والكف عن أذى المسلم ، ولم يبلغنا أنهم درسوا علم الصفات وأحوالها ، ولأهل الله تعالى عالم بعلم ، أو عالم بنفسه ، وهو باق ببقاء ، أو باق بنفسه ، وأشباه هذه المعارف ، ولا يدفع ظهور هذا إلا معاند ، أو جاهل سيرة السلف وما جرى بينهم ، ويدل على قوة هذا الجانب في الشرع ، أن من استكشف منه على هذه الحالة وتحققت منه ، وأبي أن يذعن لتعلم ما زاد على ما عنده ، لم يفت أحد بقتله ولا استرقاقه ، والحكم عليه بالخلود في النار عسر جدا ، أو خطر عظيم ، مع ثبوت الشرع بأن من قال لا إله إلا الله ، دخل الجنة ، ولعلك تقول : قد قال في مواطن أخرى إلا بحقها ، ثم تقول اعتقاد باقي الصفات التي بها يكون اعتقاد جلال الله جل وعز وكماله من حقها ، نعم هي من حقها عند من بلغه أمرها ، وسمع بها أن يعتقدها ، وأما من خلا من اعتقادها ولم يقوله أن يلقاها ولم يسمع بها ففيه مرمى هذا النظر ، وعليه يقع مثل هذا الاحتفاظ ، وفي مثله يخاف أن يطلق عليه اسم الكفر ، هذا وأنت تسمع عن الله عز وجل يقول في الآخرة أخرجوا من النار من كان في قلبه مثقال ذرة من إيمان ، وذكر من المثقال إلى الذرة والخردلة من الإيمان ، إلى أن أخرج منها من لم يعمل حسنة قط ، فما يدريك أن يكونوا هؤلاء وأمثالهم المرادين ، لأن التقدير وقع في الإيمان لا في الأعمال فإن قلت : فإن من الناس وأئمة العلماء من لم يوجب الإيمان لمن اعتقد جميع الأركان إذا لم يصحبها معرفة ، ولم يقصدها دليل ، فكيف بمن فاته اعتقاد بعضها أو كلها قلنا : قد أريناك وجه الاعتراض على هذا المذهب ، ونبهناك على بعد أهله عن وجه الحق فيه ، وأنهم أرباب تعسف ، ولو استقصى مع كثير منهم القول في ذلك ، لبدا له أنه تسبب إلى ما يظهر له من تصوره عن معرفة ، شرطها في إيمان غيره ، ولآثر من حسه الركون إلى ما رأيناه أولى من رأيه وأحق بالصواب ، ولعدل عن مذهبه ثم بعد ذلك تراهم
إحياء علوم الدين — صفحة 30 | الغزالي