تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إحياء علوم الدين — صفحة 28

مساهمون:

ص٢٨
عن دليل ، وهؤلاء أوجبوا الإيمان لمن أضافوا إليه المعرفة المشروطة في صحة الإيمان وإنما فروا عن الشناعة الظاهرة ، فشذوا عن الجمهور بهذا الاحتمال ، وزادوا على أنفسهم أنهم ألمّوا بقول من جعل المعارف كلها ضرورية ، ولم يشعروا بذلك حين قالوا إنما عجزت العامة عن سرد الدليل ، وتعظم العبارة عنه ، وأنه لا تجب عليهم لأنهم إذا نبهوا وعرض عليهم ما قرب من الألفاظ ، واعتادوا من المخاطبات دلائل الحدوث ، ووجوه الافتقار إلى المحدث بعد ، لاعتقدوا وعددوا من هذه المعارف كثيرا ، ووجدوا أنفسهم عارفين بذلك واعلم أن من يقول إن المعارف كلها ضرورية ، هكذا يقول : إنما افتقر الناس إلى النسبية ، ولم يتمرنوا على العبارة على مواضع العلوم ، وإلا فهم إذا نبهوا عليها وتلطف بهم في تفهيمها بالزوال إلى ما ألفوه من العبارات ، وجدوا أنفسهم غير منكرة لما نبهوا عليه ، وسارعوا إلى الفيئة ، ومثال هذا كمن نسي شيئا كان معه أو إنسانا نصحه أو رآه فنسيه . وغفل عنه لأجل غيبته ثم رآه بعد ذلك فذكر ، فإنه يقال بدا لأنه كان عارفا بما غاب عنه ، لكنه ناس له أو غافل عنه ، ولولا عرفانه به ما وجد عدم الإنكار وسرعة الألفة عنه . وطائفة من المتكلمين أيضا أوجب لهم الإيمان مع عدم المعرفة المشروطة عند أولئك ، وأي الآراء أحق بالحق وأولى بالصواب ، ليس من غرضنا في هذا الموضع ، وإنما غرضنا تبعيد ما أشاعه في الإحياء أهل الغلول والإغلال ، فلا يفتح مثل هذا الباب وقد أبدينا من وجه ذلك في مراقي الزلف ، ما يغنى فيها بإذن الله عز وجل فصل في بيان أصناف أهل الاعتقاد تفصيل آخر من جهة أخرى ، هو من تتمة ما جرى ، فلتعلم أن ما منهم صنف إلَّا وله على التقريب ثلاثة أحوال ، لا يستبد أحدهم من أحدها بحكم الاعتقاد الضروري