تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إحياء علوم الدين — صفحة 27

مساهمون:

ص٢٧
كفر ، فلا تذهل عما يشار لك إليه وإنما المرغوب تنبيهك والله المستعان ، وقلما بين الصنف الثاني والأوّل من التفاوت من حيث إن أولئك مقلدون فيما يعتقدونه دليلا ، غير أنهم أوثق رباطا من الأولين ، لأن أولئك إن وقع إليهم من شككهم ربما شكوا ، وانحل رباط عقدهم ، وهؤلاء في الأغلب لا سبيل إلى انحلال عقودهم ، إذ لا يرون أنفسهم أنهم مقلدون ، وإنما يظنون أنهم مستدلون عارفون ، فلهذا كانوا أحسن حالا والصنف الثالث : أقروا واعتقدوا كما فعل الذين من قبلهم ، وقدموا النظر أيضا ، ولكنهم لعدم سلوكهم سبيله مع القدرة عليه ، ومعهم من الذكاء والفطنة والتيقظ ، ما لو نظروا لعلموا ، ولو استدلوا لتحققوا ، ولو طلبوا لأدركوا سبيل المعارف ووصلوا ، ولكنهم آثروا الراحة ، ومالوا إلى الدعة ، واستبعدوا طريق العلم ، واستثقلوا الأعمال الموصلة إليه وقنعوا بالقعود في حضيض الجهل ، فهؤلاء فيهم أشكال عند كثير من الناس في البديهة ، ويتردد حالهم في النظر ، وهل يسمون عصاة أو غير ذلك ، يحتاج إلى تمهيد آخر ليس هذا مقامه ، والالتفات إلى هذا الصنف أوجب خلاف المتكلمين في العوام على الإطلاق ، من غير تفريق بين بليد ومتيقظ وفطن ، فمنهم من لم ير أنهم مؤمنون ، ولكن لم يحفظ عنهم أنهم أطلقوا اسم الكفر عليهم ولعلك تقول : إن مذهبهم المشهور ، أن المحل لا يخلو عن الصفات إلا إلى ضدها ، فمن لم يحكم له بالإيمان ، حكم عليه بالكفر ، كما أن من لم يحكم له بالحركة ، حكم عليه بالسكون ، وكذلك الحياة والموت والعلم والجهل وسائر ماله من الصفات ، قلنا : فلئن صح ذلك في الصفات التي هي أعراض ، فقد لا يصح في الأوصاف التي هي أحكام الإيمان ، والكفر والهداية والضلال والبدعة والسنة ربما كانت ليست من قبيل الأعراض ، وإنما ذكرت لك هذا في معرض الشك ، في شعوب ما نورد على ذلك ، ومنهم من أوجب لهم الإيمان ، ولكن أوجب لهم المعرفة وقدرها لهم ، وعجزهم عن العبادة ، ووجوب العبادة في الشرع جار على هذا النحو ، وهؤلاء لم يخالفوا المذكورين قبلهم ، لأن أولئك سلبوا الإيمان عمن لم يصدر اعتقاده
إحياء علوم الدين — صفحة 27 | الغزالي