بكسر أو علم منه أنه منطو على فراغ ، أو سوس ، أو طعمه فاسد ، لم يصلح لشيء ، ولم يبق فيه غرض لأحد ، وهذا لاخفاء في صحته ، والغرض بالتمثيل تقريب ما غمض إلى نفس الطالب ، وتسهيل ما اعتاص على المتعلم والسامع فهمه ، وليس من شرط المثال أن يطابق الممثل به من كل وجه ، فكان يكون هو ، ولكن من شرطه أن يكون مطابقا للواحد المراد منه
فصل
فإن قلت : فما الذي صدّ هؤلاء الأصناف الثلاثة من أهل النطق عن النظر ، والبحث ، حتى تعلموا ، أو عن الاعتقاد حتى تخلصوا ، من عذاب الله ، وهم في الظاهر قادرون على ذلك ، وما المانع الخفي الذي منعهم وأبعدهم عنه ، وهم يعلمون أن ما عليهم كبير مئونة ، ولا عظيم نفقة ؟
فاعلم أن هذا السؤال يفتح بابا عظيما ، ويهز قاعدة كبيرة ، يخاف من التوغل فيها أن يخرج من المقصد ، ولكن لا بد إذا وقع في الأسماع ، ووعته قلوب الطالبين ، واشتاقت إلى سماع الجواب عنه ، أن نورد في ذلك قدر ما يقع به الكفاية ، وتقنع به النفوس بحول الله وقوته ، نعم ما سبق في العلم القديم لا تجرى بخلافه المقادير ، فهم من ذلك بإرادة الله . عز وجل ، جاء اختصاص قلوبهم بالأخلاق الكلابية ، والشيم الذئابية ، والطباع السبعية ، وغلبتها عليهم والملائكة لا تدخل بيتا فيه كلب ، كذلك قال عليه السلام ، والقلوب بيوت تولى الله بناءها بيده ، وأعدها لأن تكون خزائن علمه ، ومشارق مكنوناته ، ومهبط ملائكته ، ومغاشي أنواره ، ومهابّ نفحاته ، ومجال مكاشفاته ، ومجاري رحمته ، وهيأها لتحصيل المعرفة به ، فمتى كان فيها شيء من تلك الأخلاق المذمومة لم يدخلها الملائكة ، ولم ينزل عليها شيء من الخير من قبله ، إذ هي الوسائط بين الله تعالى وبين خلقه ، وهم الوفود منه بالخيرات والموصلون إليه وعنه ، بالباقيات الصالحات ، ولولا تلك الأخلاق المذمومة ، التي حلت فيهم وهي التي ذم الكلب لأجلها لما احترمت الملائكة بإذن الله عن حلولها فيها