تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إحياء علوم الدين — صفحة 23

مساهمون:

ص٢٣
ومواساة إيلافهم أن تنقطع ، واستثقالا لما يشاهدونه من أهل الإيمان أن يلتزموه وفرارا من شرائطه ، وما يصحبه من الأعمال ، والوظائف ، إذ يمتثلوه ، والكلب ما ذم لصورته ، وإنما ذم بهذه الأخلاق التي هي الطمع في الخسائس ، والجزع من الصبر على ما يعده من الفضائل ، حتى احترمت الملائكة أن تدخل بيتا فيه كلب فإن قلت : فكيف آمن من كفر ، وأطاع من عصى ، واهتدى من ضل ، إذا كانت الشياطين لا تفارق قلب الكافر والعاصي والضال ، بما تثبتون من الأخلاق المذمومة التي هي كلاب نابحة ، وذئاب عادية ، وسباع ضارية ، وأصناف الخير إنما ترد من الله عز وجل بواسطة الملائكة ، وهي لا تدخل موضعا يحل فيه شيء مما ذكرنا ، وإذا لم تدخل لم يصل إلى الخير الذي يكون معها ولم تصل إليه فعلى هذا يجب أن يبقى كل كافر على حاله ، ومن لم يخلق مؤمنا معصوما فلا سبيل له إلى الإيمان على هذا المفهوم . فاعلم أن هذا يستدعى أصنافا من علم القلوب ، ولا سبيل إلى ذلك في مثل هذا المقام المعلوم ، والقول والمعنى في جواب ما سألت عنه ، أن للشيطان غفلات وللأخلاق المذمومة عدمات ، كما أن الملائكة لها عن القلوب غيبات ، ولتواتر الخير عليها فترات ، فإذا وجد الملك كما أعلمتك قلبا خاليا ، ولو زمنا ما فرّ ودخل فيه ، وأراه ما عنده من الخير ، فإن صادف منه قبولا ، ولما عرض عليه من الخير تشوقا ونزوعا أورد عليه ما يملأ ويستغرق لبّه ، وإن صادف منه صحوا ، وسمع منه بجنود الشياطين استغاثة وبالأخلاق الكلابية استعانة ، رحل عنه وتركه ، ولهذا قيل ما خلا لب عن لمة ملك أو نزغة شيطان فإن قلت : فأي بيت فهم عن النبي صلى الله عليه وسلم في الخطاب ، وأي كلب أذهل بيت القلب ، كلب الخلق أو بيت اللبن ، وكلب الحيوان فاعلم أن الحديث خارج على سبب . ومعناه وجملته أن المقصود بالأخبار هو بيت اللبن ، وكلب الحيوان معلوم ، ولا بيتك في ذلك ، ولكن يستقرأ منه ما قلناه ويستنبط من مفهومه ما نبهناك عليه ، ويتخطى منه إلى ما أشرنا لك نحوه ، ولا نكر في ذلك ، إذا دل عليه العلم ، وجملة الاستنباط ، ولم تمجه القلوب المستضاءة