تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إحياء علوم الدين — صفحة 18

مساهمون:

ص١٨
فأما العلماء بحقيقة عقدهم فلا يخلو كل واحد أن يكون بلغ الغاية التي أعدت لصنفه دون النبوّة أو لم يبلغ ولكنه قريب من البلوغ . فالذي لم يبلغ وكان على قرب هم المقربون ، وهم أهل المرتبة الثالثة ، والذين بلغوا الغاية التي أعدت لهم ، وهم الصديقون ، وهم أهل المرتبة الرابعة وهذا التقسيم ظاهر الصحة إذ هو دائر بين النفي والإثبات ، ومحصور بين المبادئ والغايات ، ولم يدخل أهل المرتبة الأولى في شيء من تصحيح هذا التقسيم إذ ليس هم من أهله إلا بانتساب كاذب ، ودعوى غير صافية ، ثم لا بد من الوفاء بما وعدناك به من إبداء بحث ، ومزيد شرح ، وبسط بيان ، تعرف منه بإذن الله حقيقة كل مرتبة ومقام وانقسام أهله فيه بحسب الطاقة والإمكان ، بما يجريه الواحد الحق على القلب واللسان بيان مقام أهل النطق المجرد وتمييز فرقهم فأقول : أرباب النطق المجرد أربعة أصناف ، أحدهم : نطقوا بكلمة التوحيد مع شهادة الرسول صلى الله عليه وسلم ، ثم لم يعتقدوا معنى ما نطقوا به ، لما لم يعلموه لا يتصوّرون صحته ولا فساده ولا صدقه ولا كذبه ولا خطأه ولا صوابه ، إذ لم يبحثوا عليه ولا أرادوا فهمه . إما لبعد همتهم وقلة اكتراثهم ، وإما لنفورهم من التعب وخوفهم أن يكلَّفوا البحث عما نطقوا به ، أو يبدوا لهم ما يلزمهم من الاعتقاد والعمل ، وما بعد ذلك فإن التزموها فارقوا راحات أبدانهم العاجلة ، وفراغ أنفسهم ، وإن لم يلتزموا شيئا من ذلك ، وقد حصل لهم العلم فتكون عيشتهم منغصة وملاذهم مكدرة ، من خوف عقاب ترك ما علموا لزومه ، ومثل هؤلاء مثل من يريد قراءة الطب ، أو يعرض عليه ولكنه يمنعه عنه مخافة أن يتطلع منه ، على ما يغير عنه بعض ملاذه من الأطعمة ، والأشربة والأنكحة ، أو كثير منها فيحتاج إلى أن يتركها ، أو يرتكبها على رقيه ، وخوف أن يصيبه صورة ما يعلم ضرورة منها ، فيدع قراءة الطب رأسا ، سئل هذا الصنف عن معنى ما نطقوا به ، وهل اعتقدوه ؟ فيقولون لا نعلم فيه ما يعتقد ، وما دعانا النطق إلا مساعدة الجماهير ، وانخراطا بإظهار القول في الجمّ الغفير ، ولا نعرف
إحياء علوم الدين — صفحة 18 | الغزالي