هل ما قلناه بالحقيقة من قبل العرف والنكير ، ولا شك أن هذا الصنف الذي أخبر صلى الله عليه وسلم عن حاله بمسألة الملكين ، أحدهم في القبر إذ يقولان من ربك ؟ ومن نبيك ؟ وما دينك ؟ فيقول لا أدرى سمعت الناس يقولون قولا فقلته فيقولان له لا دريت ولا تليت ، وسماه النبي صلى الله عليه وسلم الشاك والمرتاب والصنف الثاني : نطق كما نطق الذين من قبلهم ، ولكنهم أضافوا إلى قولهم ما لا يحصل معه الإيمان ولا ينتظم به معنى التوحيد ، وذلك مثل ما قالت السبابية طائفة من الشيعة القدماء إن عليا هو الإله ، وبلغ أمرهم عليا رضي الله عنه ، وكانوا في زمنه فحرق منهم جماعة ، وأمثال من نطق بالشهادتين كثير ، ثم أصحاب نطقه مثل هذا النكير ويسمون الزنادقة ، وقد رأينا حديثا عنه صلى الله عليه وسلم في ذلك « ستفترق أمّتى على ثلاث وسبعين فرقة كلَّها في الجنّة إلَّا الزّنادقة » والصنف الثالث : نطقوا كما نطق الصنفان المذكوران قبلهم ، ولكنهم آثروا التكذيب ، واعتقدوا الرد ، واستنبطوا خلاف ما ظهر منهم ، من الإقرار وإذا رجعوا إلى أهل الإلحاد أعلنوا عندهم بكلمة الكفر ، فهؤلاء المنافقون الذين ذكرهم الله في كتابه بقوله * ( وإِذا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قالُوا آمَنَّا وإِذا خَلَوْا إِلى شَياطِينِهِمْ قالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّما نَحْنُ مُسْتَهْزِؤُنَ الله يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ ويَمُدُّهُمْ في طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ ) * « 1 » والصنف الرابع : قوم لم يعرفوا التوحيد ، وما نشئوا عليه ، ولا عرفوا أهله ، ولا سكنوا بين أظهرهم ، ولكنهم حين وصلوا إلينا أو وصل إليهم أحد منا خوطبوا بالأمر المقتضى للنطق بالشهادتين ، والإقرار بهما ، فقالوا لا نعلم مقتضى هذا اللفظ ، ولا نعقل معنى المأمور به من النطق ، فأمروا أن يظهروا الرضا ويفهموا بلا مهلة فسكنوا إلى ما قيل لهم ، ونطقوا بالشهادتين ظاهرا ، وهم على الجهل بما يعتدون فيها ، فاخترم أحدهم من حينه ، من قبل أن يأتي منه استفهام أو تصور يمكن أن يكون له معه معتقد ، فيرجى أن لا تضيق عنه سعة رحمة الله عز وجل ، والحكم
هامش
« 1 » البقرة : 14 ، 15