تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إحياء علوم الدين — صفحة 61

مساهمون:

ص٦١
وهذا السبب أيضا يقتضي حب الله تعالى لمناسبة باطنة لا ترجع إلى المشابهة في الصور والأشكال . بل إلى معان باطنة يجوز أن يذكر بعضها في الكتب ، وبعضها لا يجوز أن يسطر . بل يترك تحت غطاء الغبرة حتى يعثر عليه السالكون للطريق إذا استكملوا شرط السلوك . فالذي يذكر هو قرب العبد من ربه عز وجل في الصفات التي أمر فيها الاقتداء والتخلق بأخلاق الربوبية ، حتى قيل تخلفوا بأخلاق الله ، وذلك في اكتساب محامد الصفات التي هي من صفات الإلهية ، من العلم ، والبر ، والإحسان ، واللطف ، وإفاضة الخير ، والرحمة على الخلق ، والنصيحة لهم ، وإرشادهم إلى الحق ، ومنعهم من الباطل ، إلى غير ذلك من مكارم الشريعة فكل ذلك يقرب إلى الله سبحانه وتعالى ، لا بمعنى طلب القرب بالمكان ، بل الصفات وأما ما لا يجوز أن يسطر في الكتب من المناسبة الخاصة التي اختص بها الآدمي ، فهي التي يومئ إليها قوله تعال * ( ويَسْئَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ من أَمْرِ رَبِّي « 1 » ) * إذ بيّن أنه أمر رباني خارج عن حد عقول الخلق . وأوضح من ذلك قوله تعالى * ( فَإِذا سَوَّيْتُه ُ ونَفَخْتُ فِيه ِ من رُوحِي « 2 » ) * ولذلك أسجد له ملائكته : ويشير إليه قوله تعالى * ( إِنَّا جَعَلْناكَ خَلِيفَةً في الأَرْضِ « 3 » ) * إذ لم يستحق آدم خلافة الله تعالى إلا بتلك المناسبة . وإليه يرمز قوله صلى الله عليه وسلم [ 1 ] « إن الله خلق آدم على صورته » حتى ظن القاصرون أن لا صورة إلا الصورة الظاهرة المدركة بالحواس ، فشبهوا وجسموا وصوروا تعالى الله رب العالمين عما يقول الجاهلون علوا كبيرا . وإليه الإشارة [ 2 ] بقوله تعالى لموسى عليه السلام : مرضت فلم تعدني فقال يا رب وكيف ذلك ؟ قال مرض عبدي فلان فلم تعده ولو عدته وجدتني عنده : وهذه المناسبة لا تظهر إلا بالمواظبة على النوافل بعد إحكام الفرائض كما قال الله تعالى [ 3 ] ( لا يَزَال يَتَقَرَّبُ الْعَبْدُ إِلَىَّ بِالنَّوافِلِ حَتَّى أُحِبَّه ُ فَإِذَا أَحْبَبْتُه ُ كُنْتُ سَمْعَه ُ الَّذِي يَسْمَعُ به وبَصَرَه ُ الَّذِي يَبْصِرُ به ولِسَانَه ُ الَّذِي يَنْطِقُ به ) وهذا موضع يحب قبض عنان القلم فيه ، فقد تحزب الناس فيه إلى قاصرين مالوا إلى
شرح
[ 1 ] حديث ان الله خلق آدم على صورته : تقدم [ 2 ] حديث قوله تعالى مرضت فلم تعدني فقال وكيف ذاك قال مرض فلان - الحديث : تقدم [ 3 ] حديث قوله تعالى لا يزال يتقرب العبد إلى بالنوافل حتى أحبه - الحديث البخاري من حديث أبي هريرة وقد تقدم
هامش
« 1 » الاسراء : 85 « 2 » الحجر : 30 « 3 » ص : 26
إحياء علوم الدين — صفحة 61 | الغزالي