طبعها . وغريزة شهوة الطعام مثلا خلقت لتحصيل الغذاء الذي به القوام ، فلا جرم لذتها في نيل هذا الغذاء الذي هو مقتضى طبعها . وكذلك لذة السمع ، والبصر ، والشم ، في الإبصار ، والاستماع ، والشم . فلا تخلو غريزة من هذه الغرائز ، عن ألم ولذة بالإضافة إلى مدركاتها . فكذلك في القلب غريزة تسمى النور الإلهي ، لقوله تعالى * ( أَفَمَنْ شَرَحَ الله صَدْرَه ُ لِلإِسْلامِ فَهُوَ عَلى نُورٍ من رَبِّه ِ « 1 » ) * وقد تسمى العقل ، وقد تسمى البصيرة الباطنة وقد تسمى نور الإيمان واليقين ، ولا معنى للاشتغال بالأسامى . فإن الاصطلاحات مختلفة ، والضعيف يظن أن الاختلاف واقع في المعاني ، لأن الضعيف يطلب المعاني من الألفاظ ، وهو عكس الواجب فالقلب مفارق لسائر أجزاء البدن ، بصفة بها يدرك المعاني التي ليست متخيلة ولا محسوسة كإدراكه خلق العالم ، أو افتقاره إلى خالق قديم مدبر حكيم ، موصوف بصفات إلهية ، ولنسم تلك الغريزة عقلا بشرط أن لا يفهم من لفظ العقل ما يدرك به طرق المجادلة والمناظرة ، فقد اشتهر اسم العقل بهذا ، ولهذا ذمه بعض الصوفية وإلا فالصفة التي فارق الإنسان بها البهائم ، وبها يدرك معرفة الله تعالى أعز الصفات ، فلا ينبغي أن تذم وهذه الغريزة خلقت ليعلم بها حقائق الأمور كلها ، فمقتضى طبعها المعرفة ، والعلم وهي لذتها ، كما أن مقتضى سائر الغرائز هو لذتها . وليس يخفى أن في العلم والمعرفة لذة ، حتى أن الذي ينسب إلى العلم والمعرفة ولو في شيء خسيس يفرح به ، والذي ينسب إلى الجهل ولو في شيء حقير يغتم به .
وحتى أن الإنسان لا يكاد يصبر عن التحدي بالعلم والتمدح به في الأشياء الحقيرة ، فالعالم باللعب بالشطرنج على خسته لا يطيق السكوت فيه عن التعليم ، وينطلق لسانه بذكر ما يعلمه ، وكل ذلك لفرط لذة العلم ، وما يستشعره من كمال ذاته به ، فإن العلم من أخص صفات الربوبية ، وهي منتهى الكمال ولذلك يرتاح الطبع إذا أثنى عليه بالذكاء وغزارة العلم ، لأنه يستشعر عند سماع الثناء كمال ذاته وكمال علمه ، فيعجب بنفسه ويلتذ به .
ثم ليست لذة العلم بالحراثة والخياطة كلذة العلم بسياسة الملك وتدبير أمر الخلق ، ولا لذة العلم بالنحو والشعر كلذة العلم باللَّه تعالى وصفاته وملائكته ، وملكوت السماوات
هامش
« 1 » الزمر : 22