وليس لغيره كمال إلا بقدر ما أعطاه الله ، وليس في المقدور أن ينعم بمنتهى الكمال على غيره فإن منتهى الكمال أقل درجاته أن لا يكون عبدا مسخرا لغيره ، قائما بغيره ، وذلك محال في حق غيره ، فهو المنفرد بالكمال ، المنزه عن النقص ، المقدس عن العيوب وشرح وجوه التقدس والتنزه في حقه عن النقائص بطول ، وهو من أسرار علوم المكاشفات ، فلا نطول بذكره فهذا الوصف أيضا إن كان كمالا وجمالا محبوبا ، فلا تتم حقيقته إلَّا له ، وكمال غيره ، وتنزهه لا يكون مطلقا ، بل بالإضافة إلى ما هو أشد منه نقصانا ، كما أن للفرس كمالا بالإضافة إلى الحمار ، وللإنسان كمالا بالإضافة إلى الفرس . وأصل النقص شامل للكل ، وإنما يتفاوتون في درجات النقصان . فإذا الجميل محبوب ، والجميل المطلق هو الواحد الذي لا ندّ له ، الفرد الذي لا ضدّ له ، الصمد الذي لا منازع له ، الغني الذي لا حاجة له ، القادر الذي يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد ، لا راد لحكمه ، ولا معقب لقضائه ، العالم الذي لا يعزب عن علمه مثقال ذرة في السماوات والأرض ، القاهر الذي لا يخرج عن قبضة قدرته أعناق الجبابرة ، ولا ينفلت من سطوته وبطشه رقاب القياصرة ، الأزلي الذي لا أول لوجوده ، الأبدي الذي لا آخر لبقائه ، الضروري الوجود الذي لا يحوم إمكان العدم حول حضرته ، القيوم الذي يقوم بنفسه ويقوم كل موجود به ، جبار السماوات والأرض ، خالق الجماد والحيوان والنبات ، المنفرد بالعزة والجبروت ، المتوحد بالملك والملكوت ، ذو الفضل والجلال ، والبهاء والجمال ، والقدرة والكمال ، الذي تتحير في معرفة جلاله العقول ، وتخرس في وصفه الألسنة ، الذي كمال معرفة العارفين الاعتراف بالعجز عن معرفته ، ومنتهى نبوة الأنبياء الإقرار بالقصور عن وصفه ، كما قال سيد الأنبياء صلوات الله عليه وعليهم أجمعين [ 1 ] « لا أحصى ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك » وقال سيد الصديقين رضي الله تعالى عنه :
العجز عن درك الإدراك إدراك ، سبحان من لم يجعل للخلق طريقا إلى معرفته إلا بالعجز عن معرفته فليت شعري من ينكر إمكان حب الله تعالى تحقيقا ويجعله مجازا ، أينكر أن هذه الأوصاف من أوصاف الجمال والمحامد ، ونعوت الكمال والمحاسن ، أو ينكر كون الله تعالى موصوفا بها ؟ أو ينكر كون الكمال والجمال ، والبهاء والعظمة ، محبوبا بالطبع عند من أدركه ؟
شرح
[ 1 ] حديث لا أحصى ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك : تقدم