تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إحياء علوم الدين — صفحة 64

مساهمون:

ص٦٤
والأرض ، بل لذة العلم بقدر شرف العلم ، وشرف العلم بقدر شرف المعلوم ، حتى أن الذي يعلم بواطن أحوال الناس ويخبر بذلك يجد له لذة ، وإن جهله تقاضاه طبعه أن يفحص عنه فإن علم بواطن أحوال رئيس البلد وأسرار تدبيره في رياسته كان ذلك ألذ عنده وأطيب من علمه بباطن حال فلاح أو حائك ، فإن اطلع على أسرار الوزير وتدبيره وما هو عازم عليه في أمور الوزارة فهو أشهى عنده وألذ من علمه بأسرار الرئيس ، فإن كان خبيرا بباطن أحوال الملك والسلطان الذي هو المستولى على الوزير كان ذلك أطيب عنده وألذ من علمه بباطن أسرار الوزير ؟ وكان تمدحه بذلك وحرصه عليه وعلى البحث عنه أشد ، وحبه له أكثر ، لأن لذته فيه أعظم : فبهذا استبان أن ألذ المعارف أشرفها ، وشرفها بحسب شرف المعلوم فإن كان في المعلومات ما هو الأجل والأكمل ، والأشرف ، والأعظم فالعلم به ألذ العلوم لا محالة وأشرفها وأطيبها وليت شعري هل في الوجود شيء ، أجل ، وأعلى ، وأشرف وأكمل ، وأعظم ، من خالق الأشياء كلها ومكملها ، ومزينها ، ومبدئها ، ومعيدها ، ومدبرها ، ومرتبها ؟ وهل يتصور أن تكون حضرة في الملك ، والكمال ، والجمال ، والبهاء ، والجلال ، أعظم من الحضرة الربانية التي لا يحيط بمبادي جلالها وعجائب أحوالها وصف الواصفين ؟ فإن كنت لا تشك في ذلك فلا ينبغي أن تشك في أن الاطلاع على أسرار الربوبية ، والعلم بترتب الأمور الإلهية المحيطة بكل الموجودات ، هو أعلى أنواع المعارف والاطلاعات ، وألذها ، وأطيبها ، وأشهاها ، وأحرى ما تستشعر به النفوس عند الاتصاف به كمالها وجمالها وأجدر ما يعظم به الفرح ، والارتياح ، والاستبشار وبهذا تبين أن العلم لذيذ ، وأن ألذ العلوم العلم باللَّه تعالى وبصفاته وأفعاله ، وتدبيره في مملكته من منتهى عرشه إلى تخوم الأرضين . فينبغي أن يعلم أن لذة المعرفة أقوى من سائر اللذات ، أعنى لذة الشهوة والغضب ، ولذة سائر الحواس الخمس ، فإن اللذات مختلفة بالنوع أولا ، كمخالفة لذة الوقاع للذة السماع ، ولذة المعرفة للذة الرئاسة ، وهي مختلفة بالضعف والقوة ، كمخالفة لذة الشّبق المغتلم من الجماع للذة الفاتر للشهوة ، وكمخالفة لذة النظر إلى الوجه الجميل الفائق الجمال للذة النظر إلى ما دونه في الجمال . وإنما تعرف أقوى اللذات
إحياء علوم الدين — صفحة 64 | الغزالي