تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إحياء علوم الدين — صفحة 58

مساهمون:

ص٥٨
بل لا يقدر على حفظ عينه من العمى ، ولسانه من الخرس ، وأذنه من الصمم ، وبدنه من المرض . ولا يحتاج إلى عدّ ما يعجز عنه في نفسه وغيره مما هو على الجملة متعلق قدرته ، فضلا عما لا تتعلق به قدرته من ملكوت السماوات ، وأفلاكها ، وكواكبها ، والأرض وجبالها ، وبحارها ، ورياحها ، وصواعقها ، ومعادنها ، ونباتها ، وحيواناتها ، وجميع أجزائها فلا قدرة له على ذرة منها . وما هو قادر عليه من نفسه وغيره فليست قدرته من نفسه وبنفسه ، بل الله خالقه وخالق قدرته ، وخالق أسبابه ، والممكن له من ذلك . ولو سلط بعوضا على أعظم ملك وأقوى شخص من الحيوانات لأهلكه ، فليس للعبد قدرة إلا بتمكين مولاه ، كما قال في أعظم ملوك الأرض ذي القرنين إذ قال * ( إِنَّا مَكَّنَّا لَه ُ في الأَرْضِ « 1 » ) * فلم يكن جميع ملكه وسلطنته إلا بتمكين الله تعالى إياه في جزء من الأرض ، والأرض كلها مدرة بالإضافة إلى أجسام العالم ، وجميع الولايات التي يحظى بها الناس من الأرض غبرة من تلك المدرة ، ثم تلك الغبرة أيضا من فضل الله تعالى وتمكينه فيستحيل أن يحب عبدا من عباد الله تعالى لقدرته ، وسياسته ، وتمكينه ، واستيلائه ، وكمال قوته ، ولا يحب الله تعالى لذلك ، ولا حول ولا قوة إلا باللَّه العلي العظيم ، فهو الجبار القاهر ، والعليم القادر ، السماوات مطويات بيمينه ، والأرض وملكها وما عليها في قبضته ، وناصية جميع المخلوقات في قبضة قدرته ، إن أهلكهم من عند آخرهم لم ينقص من سلطانه وملكه ذرة ، وإن خلق أمثالهم ألف مرة لم يعي بخلقها ، ولا يمسه لغوب ولا فتور في اختراعها ، فلا قدرة ولا قادر إلا وهو أثر من آثار قدرته ، فله الجمال والبهاء ، والعظمة والكبرياء ، والقهر والاستيلاء فإن كان يتصور أن يحب قادر لكمال قدرته فلا يستحق الحب بكمال القدرة سواه أصلا وأما صفة التنزه عن العيوب والنقائص ، والتقدس عن الرذائل والخبائث ، فهو أحد موجبات الحب ، ومقتضيات الحسن والجمال في الصور الباطنة . والأنبياء والصديقون وإن كانوا منزهين عن العيوب والخبائث فلا يتصور كمال التقدس والتنزه إلا للواحد الحق الملك القدوس ، ذي الجلال والإكرام . وأما كل مخلوق فلا يخلو عن نقص وعن نقائص بل كونه عاجزا ، مخلوقا ، مسخرا ، مضطرا ، هو عين العيب والنقص ، فالكمال لله وحده
هامش
« 1 » الكهف : 84