تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إحياء علوم الدين — صفحة 60

مساهمون:

ص٦٠
فسبحان من احتجب عن بصائر العميان غيرة على جماله وجلاله أن يطلع عليه إلا من سبقت له منه الحسني ، الذين هم عن نار الحجاب مبعدون ، وترك الخاسرين في ظلمات العمى يتيهون وفي مسارح المحسوسات وشهوات البهائم يترددون ، يعلمون ظاهرا من الحياة الدنيا وهم عن الآخرة هم غافلون ، الحمد لله بل أكثرهم لا يعلمون فالحب بهذا السبب أقوى من الحب بالإحسان ، لأن الإحسان يزيد وينقص . ولذلك أوحى الله تعالى إلى داود عليه السلام . إن أودّ الأودّاء إليّ من عبدني بغير نوال ، لكن ليعطى الربوبية حقها . وفي الزبور : من أظلم ممن عبدني لجنة أو نار ، لو لم أخلق جنة ولا نارا ألم أكن أهلا أن أطاع ! ومر عيسى عليه السلام على طائفة من العبّاد قد نحلوا فقالوا نخاف النار ونرجوا الجنة ، فقال لهم . مخلوقا خفتم ومخلوقا رجوتم . ومرّ بقوم آخرين كذلك فقالوا نعبده حبًّا له وتعظيما لجلاله ، فقال . أنتم أولياء الله حقا ، معكم أمرت أن أقيم . وقال أبو حازم . إني لأستحى أن أعبد للثواب والعقاب ، فأكون كالعبد السوء إن لم يخف لم يعمل ، وكالأجير السوء إن لم يعط لم يعمل . وفي الخبر [ 1 ] « لا يكوننّ أحدكم كالأجير السوء إن لم يعط أجرا لم يعمل ولا كالعبد السّوء إن لم يخف لم يعمل » وأما السبب الخامس للحب فهو المناسبة والمشاكلة ، لأن شبه الشيء منجذب إليه ، والشكل إلى الشكل أميل . ولذلك ترى الصبي يألف الصبي ، والكبير يألف الكبير ، ويألف الطير نوعه ، وينفر من غير نوعه . وأنس العالم بالعالم أكثر منه بالمحترف ، وأنس النجار بالنجار أكثر من أنسه بالفلاح ، وهذا أمر تشهد به التجربة ، وتشهد له الأخبار والآثار ، كما استقصيناه في باب الأخوة في الله من كتاب آداب الصحبة فليطلب منه وإذا كانت المناسبة سبب المحبة فالمناسبة قد تكون في معنى ظاهر ، كمناسبة الصبي الصبي في معنى الصبا وقد يكون خفيا حتى لا يطلع عليه ، كما ترى من الاتحاد الذي يتفق بين شخصين من غير ملاحظة جمال ، أو طمع في مال أو غيره ، كما أشار إليه النبي صلى الله عليه وسلم إذ قال « الأرواح جنود مجنّدة فما تعارف منها ائتلف وما تناكر منها اختلف » فالتعارف هو التناسب ، والتناكر هو التباين .
شرح
[ 1 ] حديث لا يكونن أحدكم كالأجير السوء ان لم يعط أجرا لم يعمل : لم أجد له أصلا