تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إحياء علوم الدين — صفحة 57

مساهمون:

ص٥٧
أما العلم فأين علم الأولين والآخرين من علم الله تعالى الذي يحيط بالكل إحاطة خارجة عن النهاية ، حتى لا يعزب عنه مثقال ذرّة في السماوات ولا في الأرض وقد خاطب الخلق كلهم فقال عز وجل * ( وما أُوتِيتُمْ من الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا « 1 » ) * بل لو اجتمع أهل الأرض والسماء على أن يحيطوا بعلمه وحكمته في تفصيل خلق نملة أو بعوضة لم يطلعوا على عشر عشير ذلك ، ولا يحيطون بشيء من علمه إلا بما شاء ، والقدر اليسير الذي علمه الخلائق كلهم فبتعليمه علموه ، كما قال تعالى * ( خَلَقَ الإِنْسانَ عَلَّمَه ُ الْبَيانَ « 2 » ) * فإن كان جمال العلم وشرفه أمرا محبوبا ، وكان هو في نفسه زينة وكمالا للموصف به ، فلا ينبغي أن يحب بهذا السبب إلا الله تعالى . فعلوم العلماء جهل بالإضافة إلى علمه . بل من عرف أعلم أهل زمانه وأجهل أهل زمانه ، استحال أن يحب بسبب العلم الأجهل ويترك الأعلم ، وإن كان الأجهل لا يخلو عن علم ما ، تتقاضاه معيشته . والتفاوت بين علم الله وبين علم الخلائق أكثر من التفاوت بين علم أعلم الخلائق وأجهلهم ، لأن الأعلم لا يفضل الأجهل إلا بعلوم معدودة متناهية ، يتصور في الإمكان أن ينالها الأجهل بالكسب والاجتهاد وفضل علم الله تعالى على علوم الخلائق كلهم خارج عن النهاية ، إذ معلوماته لا نهاية لها ، ومعلومات الخلق متناهية وأما صفة القدرة فهي أيضا كمال ، والعجز نقص ، فكل كمال ، وبهاء ، وعظمة ، ومجد ، واستيلاء ، فإنه محبوب ، وإدراكه لذيذ ، حتى أن الإنسان ليسمع في الحكاية شجاعة علي وخالد رضي الله تعالى عنهما ، وغيرهما من الشجعان ، وقدرتهما واستيلاءهما على الأقران ، فيصادف في قلبه اهتزازا ، وفرحا ، وارتباطا ضروريا بمجرد لذة السماع فضلا عن المشاهدة ، ويورث ذلك حبا في القلب ضروريا للمتصف به ، فإنه نوع كمال . فانسب الآن قدرة الخلق كلهم إلى قدرة الله تعالى ، فأعظم الأشخاص قوة وأوسعهم ملكا ، وأقواهم بطشا ، وأقهرهم للشهوات ، وأقمعهم لخبائث النفس ، وأجمعهم للقدرة على سياسة نفسه وسياسة غيره ، ما منتهى قدرته ؟ وإنما غايته أن يقدر على بعض صفات نفسه ، وعلى بعض أشخاص الإنس في بعض الأمور . وهو مع ذلك لا يملك لنفسه موتا ، ولا حياة ، ولا نشورا ، ولا ضرا ، ولا نفعا
هامش
« 1 » الاسراء : 85 « 2 » الرحمن : 3 ، 4