ذلك أيضا فرح وقال : لولا أن الغذاء يضرني ويسوقني إلى الموت لما حال بيني وبينه .
وكل من لا يعتقد في لطف الله تعالى ما يعتقده المريض في الوالد المشفق الحاذق بعلم الطلب فلا يصح منه التوكل أصلا . ومن عرف الله تعالى ، وعرف أفعاله ، وعرف سنته في إصلاح عباده ، لم يكن فرحه بالأسباب ، فإنه لا يدرى أي الأسباب خير له ، كما قال عمر رضي الله عنه : لا أبالي أصبحت غنيا أو فقيرا ، فإني لا أدرى أيهما خير لي . فكذلك ينبغي أن لا يبالي المتوكل يسرق متاعه ، أو لا يسرق ، فإنه لا يدرى أيهما خير له في الدنيا أو في الآخرة ، فكم من متاع في الدنيا بكون سبب هلاك الإنسان ، وكم من غني يبتلى بواقعة لأجل غناه يقول يا ليتني كنت فقيرا
بيان آداب المتوكلين إذا سرق متاعهم
للمتوكل آداب في متاع بيته إذا خرج عنه
الأول : أن يغلق الباب ،
ولا يستقصى في أسباب الحفظ ، كالتماسه من الجيران الحفظ مع الغلق ، وكجمعه أغلاقا كثيرة . فقد كان مالك بن دينار لا يغلق بابه ، ولكن يشده بشريط ويقول . لولا الكلاب ما شددته أيضا
الثاني : أن لا يترك في البيت متاعا يحرض عليه السراق ،
فيكون هو سبب معصيتهم أو إمساكه يكون سبب هيجان رغبتهم . ولذلك لما أهدى المغيرة إلى مالك بن دينار ركوة قال خذها لا حاجة لي إليها . قال لم ؟ قال يوسوس إليّ العدوّ أن اللص أخذها . فكأنه احترز من أن يعصى السارق ، ومن شغل قلبه بوسواس الشيطان بسرقتها . ولذلك قال أبو سليمان : هذا من ضعف قلوب الصوفية . هذا قد زهد في الدنيا فما عليه من أخذها !
الثالث : أن ما يضطر إلى تركه في البيت ينبغي أن ينوي عند خروجه
لرضا بما يقضى الله فيه من تسليط سارق عليه ، ويقول . ما يأخذه السارق فهو منه في حل . أو هو في سبيل الله تعالى ، وإن كان فقيرا فهو عليه صدقة . وإن لم يشترط الفقر فهو أولى . فيكون له نيتان لو أخذه غني أو فقير ، إحداهما : أن يكون ماله مانعا له من المعصية ، فإنه ربما يستغنى به فيتوانى عن السرقة بعده ، وقد زال عصيانه بأكل الحرام لما أن جعله في حل ،