تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إحياء علوم الدين — صفحة 17

مساهمون:

ص١٧
فإن قلت : فكيف يكون للمتوكل مال حتى يؤخذ ؟ فأقول المتوكل لا يخلو بيته من متاع كقصعة يأكل فيها ، وكوز يشرب منه ، وإناء يتوضأ منه ، وجراب يحفظ به زاده ، وعصا يدفع بها عدوّه ، وغير ذلك من ضرورات المعيشة من أثاث البيت . وقد يدخل في يده مال وهو يمسكه ليجد محتاجا فيصرفه إليه ، فلا يكون ادخاره على هذه النية مبطلا لتوكله وليس من شرط التوكل إخراج الكوز الذي يشرب منه ، والجراب الذي فيه زاده ، وإنما ذلك في المأكول ، وفي كل ما زائد على قدر الضرورة . لأن سنة الله جارية بوصول الخبر إلى الفقراء المتوكلين في زوايا المساجد ، وما جرت السنة بتفرقة الكيزان والأمتعة في كل يوم ولا في كل أسبوع . والخروج عن سنة الله عز وجل ليس شرطا في التوكل . ولذلك كان الخوّاص يأخذ في السفر الحبل ، والركوة ، والمقراض ، والإبرة دون الزاد ، لكن سنة الله تعالى جارية بالفرق بين الأمرين . فإن قلت : فكيف يتصور أن لا يحزن إذا أخذ متاعه الذي هو محتاج إليه ولا يتأسف عليه ، فإن كان لا يشتهيه فلم أمسكه ، وأغلق الباب عليه ؟ وإن كان أمسكه لأنه يشتهيه لحاجته إليه . فكيف لا يتأذى قلبه ولا يحزن وقد حيل بينه وبين ما يشتهيه ؟ . فأقول إنما كان يحفظه ليستعين به على دينه ، إذ كان يظن أن الخيرة له في أن يكون له ذلك المتاع . ولولا أن الخيرة له فيه لما رزقه الله تعالى ولما أعطاه إياه . فاستدل على ذلك بتيسير الله وعز وجل ، وحسن الظن باللَّه تعالى مع ظنه أن ذلك معين له على أسباب دينه ، ولم يكن ذلك عنده مقطوعا به ، إذ يحتمل أن تكون خيرته في أن يبتلى بفقده ذلك حتى ينصب في تحصيل غرضه ، ويكون ثوابه في النصب والتعب أكثر . فلما أخذه الله تعالى منه بتسليط اللص تغير ظنه ، لأنه في جميع الأحوال واثق باللَّه ، حسن الظن به فيقول لولا أن الله عز وجل علم أن الخيرة كانت لي في وجودها إلى الآن والخيرة لي الآن في عدمها لما آخذها منى . فبمثل هذا الظن يتصوّر أن يندفع عنه الحزن ، إذ به يخرج عن أن يكون فرحه بأسباب من حيث إنها أسباب ، بل من حيث إنه يسرها مسبب الأسباب عناية وتلطفا . وهو كالمريض بين يدي الطبيب الشفيق يرضى بما يفعله ، فإن قدم إليه الغذاء فرح وقال : لولا أنه يعرف أن الغذاء ينفعني وقد قويت على احتماله لما قرّبه إلي . وإن أخر عنه الغذاء بعد
إحياء علوم الدين — صفحة 17 | الغزالي