تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إحياء علوم الدين — صفحة 16

مساهمون:

ص١٦
فإن قلت فإذا أخذ المتوكل سلاحه حذرا من العدوّ ، وأغلق بابه حذرا من اللص ، وعقل بعيره حذرا من أن ينطلق ، فبأيّ اعتبار يكون متوكلا فأقول يكون متوكلا بالعلم والحال فأما العلم فهو أن يعلم أن اللص إن اندفع لم يندفع بكفايته في إغلاق الباب ، بل لم يندفع إلا بدفع الله تعالى إياه . فكم من باب يغلق ولا ينفع ، وكم من بعير يعقل ويموت أو يفلت ، وكم من أخذ سلاحه يقتل أو يغلب . فلا تتكل على هذه الأسباب أصلا ، بل على مسبب الأسباب كما ضربنا المثل في الوكيل في الخصومة ، فإنه إن حضر وأحضر السجل فلا يتكل على نفسه وسجله ، بل على كفاية الوكيل وقوّته وأما الحال فهو أن يكون راضيا بما يقضى الله تعالى به في بيته ونفسه ، ويقول : اللهم إن سلطت على ما في البيت من يأخذه فهو في سبيلك ، وأنا راض بحكمك ، فإني لا أدرى أن ما أعطيتني هبة فلا تسترجعها ، أو عارية ووديعة فتستردها ، ولا أدرى أنه رزقي أو سبقت مشيئتك في الأزل بأنه رزق غيري ، وكيفهما قضيت فأنا راض به ، وما أغلقت الباب تحصنا من قضائك وتسخطا له ، بل جريا على مقتضى سننك في ترتيب الأسباب ، فلا ثقة إلا بك يا مسبب الأسباب . فإذا كان هذا حاله ، وذلك الذي ذكرناه علمه ، لم يخرج عن حدود التوكل بعقل البعير ، وأخذ السلاح ، وإغلاق الباب . ثم إذا عاد فوجد متاعه في البيت فينبغي أن يكون ذلك عنده نعمة جديدة من الله تعالى . وإن لم يجده بل وجده مسروقا نظر إلى قلبه ، فإن وجده راضيا أو فرحا بذلك عالما أنه ما أخذ الله تعالى ذلك منه إلا ليزيد رزقه في الآخرة ، فقد صح مقامه في التوكل ، وظهر له صدقه . وإن تألم قلبه به ووجد قوّة الصبر ، فقد بان له أنه ما كان صادقا في دعوى التوكل ، لأن التوكل ، مقام بعد الزهد ولا يصح الزهد إلا ممن لا يتأسف على ما فات من الدنيا ولا يفرح بما يأتي ، بل يكون على العكس منه فكيف يصح له التوكل ! نعم قد يصح له مقام الصبر إن أخفاه ولم يظهر شكواه ، ولم يكثر سعيه في الطلب والتجسس . وإن لم يقدر على ذلك حتى تأذى بقلبه ، وأظهر الشكوى بلسانه واستقصى الطلب ببدنه ، فقد كانت السرقة مزيدا له في ذنبه من حيث إنه ظهر له قصوره عن جميع المقامات ، وكذبه في جميع الدعاوي . فبعد هذا ينبغي أن يجتهد حتى لا يصدق نفسه في دعاويها ، ولا يتدلى يجعل غرورها ، فإنها خداعة ، أمارة بالسوء ، مدعية للخبر