فإنما أراد أن يعلمنا أن التوكل إذا صح لم يضر معه الادخار الفن الثالث : في مباشرة الأسباب الدافعة للضرر المعرض للخوف اعلم أن الضرر قد يعرض للخوف في نفس أو مال ، وليس من شروط التوكل ترك الأسباب الدافعة رأس أما في النفس فكالنوم في الأرض المسبعة ، أو في مجاري السيل من الوادي ، أو تحت الجدار المائل والسقف المنكسر ، فكل ذلك منهي عنه ، وصاحبه قد عرض نفسه للهلاك بغير فائدة . نعم تنقسم هذه الأسباب إلى مقطوع بها ، ومظنونة . وإلى موهومة فترك الموهوم منها من شرط التوكل ، وهي التي نسبتها إلى دفع الضرر نسبة الكي والرقية ، فإن الكي والرقية قد يقدّم به المحذور دفعا لما يتوقع - وقد يستعمل بعد نزول المحذور للإزللة . ورسول الله صلى الله عليه وسلم لم يصف المتوكلين إلا بترك الكي والرقية والطيرة ، ولم يصفهم بأنهم إذا خرجوا إلى موضع بارد لم يلبسوا جبة ، والجبة تلبس دفعا للبرد المتوقع ، وكذلك كل ما في معناها من الأسباب . نعم الاستظهار بأكل الثوم مثلا عند الخروج إلى السفر في الشتاء تهييجا لقوة الحرارة من الباطن ربما يكون من قبيل التعمق في الأسباب ، والتعويل عليها . فيكاد يقرب من الكي بخلاف الجبة ولترك الأسباب الدافعة وإن كانت مقطوعة وجه إذا ناله الضرر من إنسان ، فإنه إذا أمكنه الصبر وأمكنه الدفع والتشفي : فشرط التوكل الاحتمال والصبر قال الله تعالى * ( فَاتَّخِذْه ُ وَكِيلًا واصْبِرْ عَلى ما يَقُولُونَ « 1 » ) * وقال تعالى * ( ولَنَصْبِرَنَّ عَلى ما آذَيْتُمُونا وعَلَى الله فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ « 2 » ) * وقال عز وجل * ( ودَعْ أَذاهُمْ وتَوَكَّلْ عَلَى الله « 3 » ) * وقال سبحانه وتعالى * ( فَاصْبِرْ كَما صَبَرَ أُولُوا الْعَزْمِ من الرُّسُلِ « 4 » ) * وقال تعالى * ( نِعْمَ أَجْرُ الْعامِلِينَ الَّذِينَ صَبَرُوا وعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ « 5 » ) * وهذا في أذى الناس وأما الصبر على أذى الحيّات والسباع والعقارب . فترك دفعها ليس من التوكل في شيء إذ لا فائدة فيه . ولا يراد السعي ولا يترك السعي لعينه بل لإعانته على الدين . وترتب الأسباب هاهنا كترتبها في الكسب وجلب المنافع ، فلا نطول بالإعادة وكذلك في الأسباب الدافعة عن المال فلا ينقص التوكل بإغلاق باب البيت عند
هامش
« 1 » مزمل : 9 ، 10
« 2 » إبراهيم : 12
« 3 » الأحزاب : 48
« 4 » الأحقاف : 35
« 5 » العنكبوت : 58 ، 59