الضعفاء ، حتى لا ينتهى بهم الضعف إلى اليأس والقنوط ، فيتركون الميسور من الخير عليهم بعجزهم عن منتهى الدرجات ، فما أرسل رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا رحمة للعالمين كلهم على اختلاف أصنافهم ودرجاتهم وإذا فهمت هذا علمت أن الادخار قد يضر بعض الناس وقد لا يضر . ويدل عليه ما روى أبو [ 1 ] أمامة الباهلي . أن بعض أصحاب الصفّة توفى فما وجد له كفن ، فقال صلى الله عليه وسلم « فتشوا ثوبه » فوجدوا فيه دينارين في داخل إزاره . فقال صلى الله عليه وسلم « كيّتان » وقد كان غيره من المسلمين يموت ويخلف أموالا ولا يقول ذلك في حقه . وهذا يحتمل وجهين ، لأن حاله يحتمل حالين : أحدهما أنه أراد كيتين من النار ، كما قال تعالى * ( فَتُكْوى بِها جِباهُهُمْ وجُنُوبُهُمْ وظُهُورُهُمْ « 1 » وذلك إذا كان حاله إظهار الزهد والفقر والتوكل مع الإفلاس عنه ، فهو نوع تلبيس . والثاني أن لا يكون ذلك عن تلبيس ، فيكون المعنى به والنقصان عن درجة كماله ، كما ينقص من جمال الوجه أثر كيتين في الوجه . وذلك لا يكون عن تلبيس ، فإن كل ما يخلفه الرجل فهو نقصان عن درجته في الآخرة ، إذ لا يؤتى أحد من الدنيا شيئا إلا نقص بقدره من الآخرة وأما بيان أن الادخار مع فراغ القلب عن المدخر ليس من ضرورته بطلان التوكل فيشهد له ما روي عن بشر ، قال الحسين المغازلي من أصحابه : كنت عنده ضحوة من النهار فدخل عليه رجل كهل أسمر خفيف العارضين ، فقام إليه بشر ، قال وما رأيته قام لأحد غيره قال ودفع إليّ كفا من دراهم وقال : اشترى لنا من أطيب ما تقدر عليه من الطعام الطيب .
وما قال لي قط مثل ذلك . قال فجئت بالطعام فوضعته فأكل معه ، وما رأيته أكل مع غيره قال فأكلنا حاجتنا . وبقي من الطعام شيء كثير ، فأخذه الرجل وجمعه في ثوبه وحمله معه وانصرف . فعجبت من ذلك وكرهته له . فقال لي بشر : لعلك أنكرت فعله ؟ قلت نعم أخذ بقية الطعام من غير إذن . فقال ذاك أخونا فتح الموصلي ، زارنا اليوم من الموصل .
شرح
[ 1 ] حديث أبي أمامة توفى بعض أصحاب الصفة فوجدوا دينارين في داخلة إزاره فقال صلى الله عليه وسلم كيتان أحمد من رواية شهر بن حوشب عنه
هامش
« 1 » التوبة : 35