تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إحياء علوم الدين — صفحة 159

مساهمون:

ص١٥٩
وانتبهت إلى غير إثم . وقال أبو هريرة : يبعثون يوم القيامة على قدر نياتهم وكان الفضيل بن عياض إذا قرأ * ( ولَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجاهِدِينَ مِنْكُمْ والصَّابِرِينَ ونَبْلُوَا أَخْبارَكُمْ « 1 » ) * يبكى ويرددها ويقول : إنك إن بلوتنا فضحتنا ، وهتكت أستارنا . وقال الحسن : إنما خلد أهل الجنة في الجنة وأهل النار في النار بالنيات . وقال أبو هريرة : مكتوب في التوراة . ما أريد به وجهي فقليله كثير ، وما أريد به غيري فكثيره قليل . وقال بلال بن سعد : إن العبد ليقول قول مؤمن ، فلا يدعه الله عز وجل وقوله حتى ينظر في عمله ، فإذا عمل لم يدعه الله حتى ينظر في ورعه . فإن تورع لم يدعه حتى ينظر ما ذا نوى ، فإن صلحت نيته فبالحري أن يصلح ما دون ذلك فإذن عماد الأعمال النيات ، فالعمل مفتقر إلى النية ليصير بها خيرا ، والنية في نفسها خير وإن تعذر العمل بعائق

بيان حقيقة النية

اعلم أن النية والإرادة ، والقصد ، عبارات متواردة على معنى واحد ، وهو حالة وصفة للقلب يكتنفها أمران : علم ، وعمل ، العلم يقدمه لأنه أصله وشرطه ، والعمل يتبعه لأنه ثمرته وفرعه . وذلك لأن كل عمل أعنى كل حركة وسكون ، اختياري ، فإنه لا يتم إلا بثلاثة أمور علم ، وإرادة ، وقدرة ، لأنه لا يريد الإنسان ما لا يعلمه ، فلا بد وأن يعلم . ولا يعمل ما لم يرد ، فلا بد من إرادة ، ومعنى الإرادة انبعاث القلب إلى ما يراه موافقا للغرض ، إما في الحال أو في المآل ، فقد خلق الإنسان بحيث يوافقه بعض الأمور ويلائم غرضه ، ويخالفه بعض الأمور . فيحتاج إلى جلب الملائم الموافق إلى نفسه ، ودفع الضار المنافى عن نفسه . فافتقر بالضرورة إلى معرفة وإدراك للشيء المضر والنافع ، حتى يجلب هذا ويهرب من هذا ، فإن من لا يبصر الغذاء ولا يعرفه لا يمكنه أن يتناوله ، ومن لا يبصر النار لا يمكنه الهرب منها . فخلق الله الهداية والمعرفة ، وجعل لها أسبابا وهي الحواس الظاهرة والباطنة ، وليس ذلك من غرضنا
هامش
« 1 » محمد : 31
إحياء علوم الدين — صفحة 159 | الغزالي