تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إحياء علوم الدين — صفحة 161

مساهمون:

ص١٦١
أن يتعاون رجلان على حمل شيء بمقدار من القوة كان كافيا في الحمل لو انفرد ومثاله في غرضنا أن يسأله قريبه الفقير حاجة ، فيقضيها لفقره وقرابته ، وعلم أنه لولا فقره لكان يقضيها بمجرد القرابة وأنه لولا قرابته لكان يقضيها بمجرد الفقر ، وعلم ذلك من نفسه بأن يحضره قريب غنى فيرغب في قضاء حاجته وفقير أجنبي فيرغب أيضا فيه . وكذلك من أمره الطبيب بترك الطعام ، ودخل عليه يوم عرفة فصام وهو يعلم أنه لو لم يكن يوم عرفة لكان يترك الطعام حمية ، ولولا الحمية لكان يتركه لأجل أنه يوم عرفة وقد اجتمعا جميعا فأقدم على الفعل ، وكان الباعث الثاني رفيق الأول فلنسم هذا مرافقة للبواعث والثالث : أن لا يستقل كل واحد لو انفرد ، ولكن قوي مجموعهما على إنهاض القدرة . ومثاله في المحسوس أن يتعاون ضعيفان على حمل ما لا ينفرد أحدهما به . ومثاله في غرضنا أن يقصده قريبه الغني فيطلب درهما فلا يعطيه ، ويقصده الأجنبي الفقير فيطلب درهما فلا يعطيه ، ثم يقصده القريب الفقير فيعطيه ، فيكون انبعاث داعيته بمجموع الباعثين ، وهو القرابة والفقر . وكذلك الرجل يتصدق بين يدي الناس لغرض الثواب ولغرض الثناء ، ويكون بحيث لو كان منفردا لكان لا يبعثه مجرد قصد الثواب على العطاء ، ولو كان الطالب فاسقا لا ثواب في التصديق عليه لكان لا يبعثه مجرد الرياء على العطاء ، ولو اجتمعا أورثا بمجموعهما تحريك القلب ، ولنسم هذا الجنس مشاركة والرابع : أن يكون أحد الباعثين مستقلا لو انفرد بنفسه ، والثاني لا يستقل ، ولكن لما انضاف إليه لم ينفك عن تأثير بالإعانة والتسهيل ، ومثاله في المحسوس أن يعاون الضعيف الرجل القوي على الحمل ، ولو انفرد القوي لاستقل ، ولو انفرد الضعيف لم يستقل ، فإن ذلك بالجملة يسهل العمل ويؤثر في تخفيفه . ومثاله في غرضنا أن يكون للإنسان ورد في الصلاة ، وعادة في الصدقات ، فاتفق أن حضر في وقتها جماعة من الناس ، فصار الفعل أخف عليه بسبب مشاهدتهم ، وعلم من نفسه أنه لو كان منفردا خاليا لم يفتر عن عمله ، وعلم أن عمله لو لم يكن طاعة لم يكن مجرد الرياء يحمله عليه ، فهو شوب تطرق إلى النية ، ولنسم هذا الجنس المعاونة فالباعث الثاني إما أن يكون رفيقا ، أو شريكا ، أو معينا وسنذكر حكمها في باب الإخلاص . والغرض الآن بيان أقسام النيات ، فإن العمل تابع للباعث عليه ، فيكتسب الحكم منه . ولذلك قيل . إنما الأعمال بالنيات ، لأنها تابعة لا حكم لها في نفسها ، وإنما الحكم للمتبوع