ثم لو أبصر الغذاء وعرف أنه موافق له ، فلا يكفيه ذلك للتناول ما لم يكن فيه ميل إليه ورغبة فيه ، وشهوة له باعثة عليه . إذ المريض يرى الغذاء ويعلم أنه موافق ، ولا يمكنه التناول لعدم الرغبة والميل ، ولفقد الداعية المحركة إليه . فحق الله تعالى له الميل ، والرغبة والإرادة ، وأعنى به نزوعا في نفسه إليه ، وتوجها في قلبه إليه ثم ذلك لا يكفيه ، فكم من مشاهد طعاما راغب فيه ، مريد تناوله ، عاجز عنه لكونه زمنا . فخلقت له القدرة والأعضاء المتحركة حتى يتم به التناول . والعضو لا يتحرك إلا بالقدرة والقدرة تنتظر الداعية الباعثة ، والداعية تنتظر العلم والمعرفة ، أو الظن والاعتقاد ، وهو أن يقوى في نفسه كون الشيء موافقا له ، فإذا جزمت المعرفة بأن الشيء موافق ، ولا بد وأن يفعل ، وسلمت عن معارضة باعث آخر صارف عنه ، انبعثت الإرادة ، وتحقق الميل فإذا انبعثت الإرادة انتهضت القدرة لتحريك الأعضاء . فالقدرة خادمة للإرادة ، والإرادة تابعة لحكم الاعتقاد والمعرفة . فالنية عبارة عن الصفة المتوسطة ، وهي الإرادة وانبعاث النفس بحكم الرغبة والميل إلى ما هو موافق للغرض ، إما في الحال وإما في المآل فالمحرك الأول هو الغرض المطلوب ، وهو الباعث ، والغرض الباعث هو المقصد المنوي والانبعاث هو القصد والنية ، وانتهاض القدرة لخدمة الإرادة بتحريك الأعضاء هو العمل إلا أن انتهاض القدرة للعمل قد يكون بباعث واحد ، وقد يكون بباعثين اجتمعا في فعل واحد . وإذا كان بباعثين فقد يكون كل واحد بحيث لو انفرد لكان مليا بانهاض القدرة وقد يكون كل واحد قاصرا عنه إلا بالاجتماع ، وقد يكون أحدهما كافيا لولا الآخر . لكن الآخر انتهض عاضدا له ومعاونا ، فيخرج من هذا التقسيم أربعة أقسام ، فلنذكر لكل واحد مثالا واسما أما الأول : فهو أن ينفرد الباعث الواحد ويتجرد ، كما إذا هجم على الإنسان سبع ، فكلما رآه قام من موضعه ، فلا مزعج له إلا غرض الهرب من السبع ، فإنه رأى السبع وعرفه ضارا ، فانبعثت نفسه إلى الهرب ورغبت فيه ، فانتهضت القدرة عاملة بمقتضى الانبعاث ، فيقال نيته الفرار من السبع ، لا نية له في القيام لغيره . وهذه النية تسمى خالصة ، ويسمى العمل بموجبها إخلاصا بالإضافة إلى الغرض الباعث ، ومعناه أنه خلص عن مشاركة غيره وممازجته وأما الثاني : فهو أن يجتمع باعثان كل واحد مستقل بالإنهاض لو انفرد . ومثاله من المحسوس
إحياء علوم الدين — صفحة 160
مساهمون: الغزالي
ص١٦٠