تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إحياء علوم الدين — صفحة 162

مساهمون:

ص١٦٢
بيان سر قوله صلى الله عليه وسلم [ 1 ] « نية المؤمن خير من عمله » اعلم أنه قد يظن أن سبب هذا الترجيح أن النية سر لا يطلع عليه إلا الله تعالى ، والعمل ظاهر ، ولعمل السر فضل ، وهذا صحيح . ولكن ليس هو المراد ، لأنه لو نوى أن يذكر الله بقلبه ، أو يتفكر في مصالح المسلمين ، فيقتضى عموم الحديث أن تكون نية التفكر خيرا من التفكر وقد يظن أن سبب الترجيح أن النية تدوم إلى آخر العمل ، والأعمال لا ندوم ، وهو ضعيف لأن ذلك يرجع معناه إلى أن العمل الكثير خير من القليل ، بل ليس كذلك ، فإن نية أعمال الصلاة قد لا تدوم إلا في لحظات معدودة ، والأعمال تدوم . والعموم يقتضي أن تكون نيته خيرا من عمله . وقد يقال : إن معناه أن النية بمجردها خير من العمل بمجرده دون النية ، وهو كذلك ، ولكنه بعيد أن يكون هو المراد ، إذا العمل بلا نية أو على الغفلة لا خير فيه أصلا ، والنية بمجردها خير . وظاهر الترجيح للمشتركين في أصل الخير بل المعنى به أن كل طاعة تنتظم بنية وعمل ، وكانت النية من جملة الخيرات ، وكان العمل من جملة الخيرات ، ولكن النية من جملة الطاعة خير من العمل ، أي لكل واحد منهما أثر في المقصود ، وأثر النية أكثر من أثر العمل . فمعناه نية المؤمن من جملة طاعته خير من عمله الذي هو من جملة طاعته . والغرض أن للعبد اختيارا في النية وفي العمل ، فهما عملان ، والنية من الجملة خيرهما . فهذا معناه وأما سبب كونها خيرا ومترجحة على العمل ، فلا يفهمه إلا من فهم مقصد الدين وطريقه ومبلغ أثر الطريق في الاتصال إلى المقصد ، وقاس بعض الآثار بالبعض ، حتى يظهر له بعد ذلك الأرجح بالإضافة إلى المقصود . فمن قال الخبز خير من الفاكهة فإنما يعنى به أنه خير بالإضافة إلى مقصود القوت والاعتذاء ، ولا يفهم ذلك الا من فهم أن للغذاء مقصدا وهو الصحة والبقاء ، وأن الأغذية مختلفة الآثار فيها ، وفهم أثر كل واحد ، وقاس بعضها بالبعض . فالطاعات غذاء للقلوب ، والمقصود شفاؤها ، وبقاؤها ، وسلامتها في الآخرة
شرح
[ 1 ] حديث نية المؤمن خير من عمله : الطبراني من حديث سهل بن سعد ومن حديث النواس بن سمعان وكلاهما ضعيف