بيان حقيقة النعمة وأقسامها
اعلم أن كل خير ولذة وسعادة ، بل كل مطلوب ومؤثر فإنه يسمى نعمة . ولكن النعمة بالحقيقة هي السعادة الأخروية . وتسمية ما سواها نعمة وسعادة إما غلط ، وإما مجاز كتسمية السعادة الدنيوية التي لا تعين على الآخرة نعمة ، فإن ذلك غلط محض . وقد يكون اسم النعمة للشيء صدقا ، ولكن يكون إطلاقه على السعادة الأخروية أصدق . فكل سبب يوصل إلى سعادة الآخرة ويعين عليها ، إما بواسطة واحدة أو بوسائط ، فإن تسميته نعمة صحيحة وصدق ، لأجل أنه يفضي إلى النعمة الحقيقة . والأسباب المعينة ، واللذات المسماة نعمة ، نشرحها بتقسيمات .
القسمة الأولى
أن . الأمور كلها بالإضافة إلينا تنقسم إلى ما هو نافع في الدنيا والآخرة جميعا ، كالعلم وحسن الخلق ، وإلى ما هو ضار فيهما جميعا ، كالجهل وسوء الخلق ، وإلى ما ينفع في الحال ويضر في المآل ، كالتلذذ باتباع الشهوات وإلى ما يضر في الحال ويؤلم ولكن ينفع في المآل ، كقمع الشهوات ومخالفة النفس فالنافع في الحال والمآل هو النعمة تحقيقا . كالعلم وحسن الخلق . والضار فيهما من البلاء تحقيقا ، وهو ضدهما . والنافع في الحال المضر في المآل بلاء محض عند ذوي البصائر وتظنه الجهال نعمة . ومثاله الجائع إذا وجد عسلا فيه سم ، فإنه يعده نعمة إن كان جاهلا وإذا علمه علم أن ذلك بلاء سيق إليه . والضار في الحال النافع في المآل نعمة عند ذوي الألباب بلاء عند الجهال . ومثاله الدواء البشع في الحال مذاقه ، إلا أنه شاف من الأمراض والأسقام وجالب للصحة والسلامة . فالصبي الجاهل إذا كلف شربه ظنه بلاء ، والعاقل يعده نعمة ويتقلد المنة ممن يهديه إليه ، ويقربه منه ، ويهيء له أسبابه . فلذلك تمنع الأم ولدها من الحجامة ، والأب يدعوه إليها ، فإن الأب لكمال عقله يلمح العاقبة ، والأم لفرط حبها وقصورها تلحظ الحال ، والصبي لجهله يتقلد منّة من أمه دون أبيه ، ويأنس إليها وإلى شفقتها ويقدر الأب عدوّا له . ولو عقل لعلم أن الأم عدو باطنا في صورة صديق ، لأن منعها إياه من الحجامة يسوقه إلى أمراض وآلام أشد من الحجامة ولكن الصديق الجاهل شر من العدو العاقل .
إحياء علوم الدين — صفحة 98
مساهمون: الغزالي
ص٩٨