فلا يوصفان في أنفسهما من حيث إنهما جوهران بأنهما نعمة ، بل من حيث هما وسيلتان فيكونان نعمة في حق من يقصد أمرا ليس يمكنه أن يتوصل إليه إلا بهما . فلو كان مقصده العلم والعبادة ، ومعه الكفاية التي هي ضرورة حياته ، استوى عنده الذهب والمدر ، فكان وجودهما وعدمهما عنده بمثابة واحدة ، بل ربما شغله وجودهما عن الفكر والعبادة ، فيكونان بلاء في حقه ولا يكونان نعمة .
قسمة رابعة .
اعلم أن الخيرات باعتبار آخر تنقسم إلى نافع ، ولذيذ ، وجميل . فاللذيذ هو الذي تدرك راحته في الحال ، والنافع هو للذي يفيد في المآل ، والجميل هو الذي يستحسن في سائر الأحوال . والشرور أيضا تنقسم إلى ضار ، وقبيح ومؤلم . وكل واحد من القسمين ضربان . مطلق ومقيد . فالمطلق هو الذي اجتمع فيه الأوصاف الثلاثة ، أما في الخير فكالعلم والحكمة ، فإنها نافعة وجميلة ولذيذة عند أهل العلم والحكمة . وأما في الشر فكالجهل ، فإنه ضار وقبيح ومؤلم . وإنما يحس الجاهل بألم جهله إذا عرف أنه جاهل ، وذلك بأن يرى غيره عالما ، ويرى نفسه جاهلا ، فيدرك ألم النقص فتنبعث منه شهوة العلم اللذيذة ، ثم قد يمنعه الحسد ، والكبر . والشهوات البدنية عن التعلم فيتجاذبه متضادان ، فيعظم ألمه . فإنه إن ترك التعلم تألم بالجهل ودرك النقصان ، وإن اشتغل بالتعلم تألم بترك الشهوات ، أو بترك الكبر وذل التعلم ومثل هذا الشخص لا يزال في عذاب دائم لا محالة والضرب الثاني : المقيد وهو الذي جمع بعض هذه الأوصاف دون بعض . فرب نافع مؤلم ، كقطع الإصبع المتأكلة ، والسلعة الخارجة من البدن . ورب نافع قبيح كالحمق ، فإنه بالإضافة إلى بعض الأحوال نافع ، فقد قيل : استراح من لا عقل له ، فإنه لا يهتم بالعاقبة فيستريح في الحال إلى أن يحين وقت هلاكه . ورب نافع من وجه ضار من وجه ، كإلقاء المال في البحر عند خوف الغرق ، فإنه ضار للمال ، نافع للنفس في نجاتها .
والنافع قسمان : ضروري كالإيمان وحسن الخلق في الإيصال إلى سعادة الآخرة وأعنى بهما العلم والعمل ، إذ لا يقوم مقامهما البتة غيرهما ، وإلى ما لا يكون ضروريا كالسكنجبين مثلا في تسكين الصفراء ، فإنه قد يمكن تسكينها أيضا بما يقوم مقامه
قسمة خامسة :
اعلم أن النعمة يعبر بها عن كل لذيذ . واللذات بالإضافة إلى الإنسان من حيث اختصاصه بها أو مشاركته لغيره ثلاثة أنواع : عقلية ، وبدنية مشتركة مع بعض
إحياء علوم الدين — صفحة 100
مساهمون: الغزالي
ص١٠٠