الحيوانات ، وبدنية مشتركة مع جميع الحيوانات . أما العقلية فكلذة العلم والحكمة .
إذ ليس يستلذها السمع ، والبصر ، والشم ، والذوق ، ولا البطن ولا الفرج ، وإنما يستلذها القلب ، لاختصاصه بصفة يعبر عنها بالعقل . وهذه أقل اللذات وجودا ، وهي أشرفها أما قلتها فلأن العلم لا يستلذه إلا عالم ، والحكمة لا يستلذها إلا حكيم ، وما أقل أهل العلم والحكمة ، وما أكثر المتسمين باسمهم ، والمترسمين برسومهم . وأما شرفها فلأنها لازمة لا تزول أبدا ، لا في الدنيا ولا في الآخرة ، ودائمة لا تمل . فالطعام يشبع منه فيمل ، وشهوة الوقاع يفرغ منها فتستثقل ، والعلم والحكمة قط لا يتصوّر أن تمل وتستثقل . ومن قدر على الشريف الباقي أبد الآباد ، إذا رضي بالخسيس الفاني في أقرب الآماد ، فهو مصاب في عقله ، محروم لشقاوته وإدباره . وأقل أمر فيه أن العلم والعقل لا يحتاج إلى أعوان وحفظة ، بخلاف المال . إذ العلم يحرسك ، وأنت تحرس المال . والعلم يزيد بالإنفاق ، والمال ينقص بالإنفاق ، والمال يسرق ، والولاية يعزل عنها ، والعلم لا تمتد إليه أيدي السراق بالأخذ ، ولا أيدي السلاطين بالعزل ، فيكون صاحبه في روح الأمن أبدا ، وصاحب المال والجاه في كرب الخوف أبدا . ثم العلم نافع ، ولذيذ ، وجميل ، في كل حال أبدا والمال تارة يجذب إلى الهلاك ، وتارة يجذب إلى النجاة . ولذلك ذم الله تعالى المال في القرءان في مواضع ، وإن سماه خيرا في مواضع . وأما قصور أكثر الخلق عن إدراك لذة العلم ، فإما لعدم الذوق ، فمن لم يذق . لم يعرف ولم يشتق ، إذ الشوق تبع الذوق ، وإما لفساد أمزجتهم ، ومرض قلوبهم بسبب اتباع الشهوات ، كالمريض الذي لا يدرك حلاوة العسل ويراه مرا ، وإما لقصور فطنتهم ، إذ لم تخلق لهم بعد الصفة التي بها يستلذ العلم ، كالطفل الرضيع الذي لا يدرك لذة العسل والطيور السمان ، ولا يستلذ إلا اللبن . وذلك لا يدل على أنها ليست لذيذة ، ولا استطابته اللبن تدل على أنه ألذ الأشياء . فالقاصرون عن درك لذة العلم والحكمة ثلاثة : إما من لم يحي باطنه كالطفل ، وإما من مات بعد الحياة باتباع الشهوات ، وإما من مرض بسبب اتباع الشهوات . وقوله تعالى * ( في قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ ) * « 1 » إشارة إلى مرض العقول . وقوله عز وجل * ( لِيُنْذِرَ من كانَ حَيًّا ) * « 2 » إشارة إلى من لم يحي
هامش
« 1 » البقرة : 10
« 2 » يس : 70