تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إحياء علوم الدين — صفحة 99

مساهمون:

ص٩٩
وكل إنسان فإنه صديق نفسه ، ولكنه صديق جاهل . فلذلك تعمل به ما لا يعمل به العدو . قسمة ثانية . اعلم أن الأسباب الدنيوية مختلطة ، قد امتزج خيرها بشرها ، فقلما يصفو خيرها كالمال ، والأهل ، والولد ، والأقارب ، والجاه ، وسائر الأسباب . ولكن تنقسم إلى ما نفعه أكثر من ضره ، كقدر الكفاية من المال والجاه وسائر الأسباب ، وإلى ما ضره أكثر من نفعه في حق أكثر الأشخاص ، كالمال الكثير والجاه الواسع ، وإلى ما يكافئ ضرره نفعه . وهذه أمور تختلف بالأشخاص . فرب إنسان صالح ينتفع بالمال الصالح وإن كثر ، فينفقه في سبيل الله ، ويصرفه إلى الخيرات ، فهو مع هذا التوفيق نعمة في حقه . ورب إنسان يستضر بالقليل أيضا ، إذ لا يزال مستصغرا له ، شاكيا من ربه ، طالبا الزيادة عليه ، فيكون ذلك مع هذا الخذلان بلاء في حقه قسمة ثالثة . اعلم أن الخيرات باعتبار آخر تنقسم إلى ما هو مؤثر لذاته لا لغيره ، وإلى مؤثر لغيره ، وإلى مؤثر لذاته ولغيره . فالأول : ما يؤثر لذاته لا لغيره كلذة النظر إلى وجه الله تعالى ، وسعادة لقائه ، وبالجملة سعادة الأخرى التي لا انقضاء لها ، فإنها لا تطلب ليتوصل بها إلى غاية أخرى مقصودة وراءها ، بل تطلب لذاتها الثاني : ما يقصد لغيره ولا غرض أصلا في ذاته ، كالدراهم والدنانير ، فإن الحاجة لو كانت لا تنقضي بها لكانت هي والحصباء بمثابة واحدة . ولكن لما كانت وسيلة إلى اللذات ، سريعة الإيصال إليها ، صارت عند الجهال محبوبة في نفسها ، حتى يجمعوها ويكنزوها ، ويتصارفوا عليها بالربا ، ويظنون أنها مقصودة . ومثال هؤلاء مثال من يحب شخصا . فيحب بسببه رسوله الذي يجمع بينه وبينه ، ثم ينسى في محبة الرسول محبة الأصل ، فيعرض عنه طول عمره ؟ ولا يزال مشغولا بتعهد الرسول ومراعاته وتفقده ، وهو غاية الجهل والضلال . الثالث : ما يقصد لذاته ولغيره ، كالصحة والسلامة ، فإنها تقصد ليقدر بسببها على الذكر والفكر الموصلين إلى لقاء الله تعالى ، أو ليتوصل بها إلى استيفاء لذات الدنيا . وتقصد أيضا لذاتها ، فإن الإنسان وإن استغنى عن الشيء الذي تراد سلامة الرجل لأجله ، فيريد أيضا سلامة الرجل من حيث إنها سلامة . فإذا المؤثر لذاته فقط هو الخير والنعمة تحقيقا ، وما يؤثر لذاته ولغيره أيضا فهو نعمة ولكن دون الأول ، فأما ما لا يؤثر إلا لغيره كالنقدين