تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إحياء علوم الدين — صفحة 95

مساهمون:

ص٩٥
إلى الغاية . فانظر كيف نسبه إلى العبد الذي أحبه . وعندك في العادة له مثال . فالملك إذا كان محتاجا إلى من يسقيه الشراب ، وإلى من يحجمه وينظف فناء منزله عن القاذورات ، وكان له عبدان ، فلا يعين للحجامة والتنظيف إلا أقبحهما وأخسهما ولا يفوض حمل الشراب الطيب إلا إلى أحسنهما ، وأكملهما ، وأحبهما إليه . ولا ينبغي أن تقول هذا فعلى ، ولم يكون فعله دون فعلى ، فإنك أخطأت ، إذ أضفت ذلك إلى نفسك . بل هو الذي صرف داعيتك لتخصيص الفعل المكروه بالشخص المكروه ، والفعل المحبوب بالشخص المحبوب ، إتماما للعدل . فإن عدله تارة يتم بأمور لا مدخل لك فيها ، وتارة يتم فيك . فإنك أيضا من أفعاله فداعيتك وقدرتك . وعلمك ، وعملك ، وسائر أسباب حركاتك . في التعبير هو فعله ، الذي رتبه بالعدل ترتيبا تصدر منه الأفعال المعتدلة . إلا أنك لا ترى إلا نفسك ، فتظن أن ما يظهر عليك في عالم الشهادة ليس له سبب من عالم الغيب والملكوت فلذلك تضيفه إلى نفسك وإنما أنت مثل الصبي الذي ينظر ليلا إلى لعب المشعبذ ، الذي يخرج صورا من وراء حجاب ترقص ، وتزعق ، وتقوم ، وتقعد ، وهي مؤلفة من خرق لا تتحرك بأنفسها ، وإنما تحركها خيوط شعرية دقيقة لا تظهر في ظلام الليل ، ورؤسها في يد المشعبذ ، وهو محتجب عن أبصار الصبيان ، فيفرحون ويتعجبون ، لظنهم أن تلك الخرق ترقص ، وتلعب وتقوم وتقعد . وأما العقلاء ، فإنهم يعلمون أن ذلك تحريك وليس بتحرك ، ولكنهم ربما لا يعلمون كيف تفصيله . والذي يعلم بعض تفصيله لا يعلمه كما يعلمه المشعبذ الذي الأمر إليه والجاذبة بيده فكذلك صبيان أهل الدنيا ، والخلق كلهم صبيان بالنسبة إلى العلماء . ينظرون إلى هذه الأشخاص فيظنون أنها المتحركة ، فيحيلون عليها . والعلماء يعلمون أنهم محركون ، إلا أنهم لا يعرفون كيفية التحريك ، وهم الأكثرون ، إلا العارفون والعلماء الراسخون فإنهم أدركوا بحدة أبصارهم خيوطا دقيقة عنكبوتية ، بل أدق منها بكثير ، معلقة من السماء ، متشبثة الأطراف بأشخاص أهل الأرض ، لا تدرك تلك الخيوط لدقتها بهذه الأبصار الظاهرة ثم شاهدوا رؤس تلك الخيوط في مناطات لها هي معلقة بها . وشاهدوا لتلك المناطات مقابض هي في أيدي الملائكة المحركين للسماوات . وشاهدوا أيضا ملائكة السماوات