تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إحياء علوم الدين — صفحة 96

مساهمون:

ص٩٦
مصروفة إلى حملة العرش ، ينتظرون منهم ما ينزل عليهم من الأمر من حضرة الربوبية كي لا يعصوا الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون . وعبّر عن هذه المشاهدات في القرءان فقيل * ( وفي السَّماءِ رِزْقُكُمْ وما تُوعَدُونَ ) * « 1 » وعبّر عن انتظار ملائكة السماوات لما ينزل إليهم من القدر والأمر فقيل * ( خَلَقَ سَبْعَ سَماواتٍ ومن الأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ الله عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وأَنَّ الله قَدْ أَحاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْماً ) * « 2 » وهذه أمور لا يعلم تأويلها إلا الله والراسخون في العلم . وعبّر ابن عباس رضي الله عنهما عن اختصاص الراسخين في العلم بعلوم لا تحتملها أفهام الخلق ، حيث قرأ قوله تعالى * ( يَتَنَزَّلُ الأَمْرُ بَيْنَهُنَّ ) * « 3 » فقال : لو ذكرت ما أعرفه من معنى هذه الآية لرجمتموني وفي لفظ آخر لقلتم إنه كافر . ولنقتصر على هذا القدر ، فقد خرج عنان الكلام عن قبضة الاختيار ، وامتزج بعلم المعاملة ما ليس منه ، فلنرجع إلى مقاصد الشكر فنقول إذا رجع حقيقة الشكر إلى قول العبد مستعملا في إتمام حكمة الله تعالى ، فأشكر العباد أحبهم إلى الله وأقربهم إليه . وأقربهم إلى الله الملائكة ، ولهم أيضا ترتيب . وما منهم إلا وله مقام معلوم . وأعلاهم في رتبة القرب ملك اسمه إسرافيل عليه السّلام . وإنما علو درجتهم لأنهم في أنفسهم كرام بررة ، وقد أصلح الله تعالى بهم الأنبياء عليهم السّلام . وهم أشرف مخلوق على وجه الأرض . ويلي درجتهم درجة الأنبياء . فإنهم في أنفسهم أخيار ، وقد هدى الله بهم سائر الخلق ، وتمم بهم حكمته . وأعلاهم رتبة نبينا صلَّى الله عليه وسلم وعليهم ، إذ أكمل الله به الدين . وختم به النبيين . ويليهم العلماء الذين هم ورثة الأنبياء . فإنهم في أنفسهم صالحون ، وقد أصلح الله بهم سائر الخلق ، ودرجة كل واحد منهم بقدر ما أصلح من نفسه ومن غيره . ثم يليهم السلاطين بالعدل ، لأنهم أصلحوا دنيا الخلق كما أصلح العلماء دينهم ولأجل اجتماع الدين ، والملك والسلطنة ، لنبينا محمد صلَّى الله عليه وسلم ، كان أفضل من سائر الأنبياء . فإنهم أكمل الله به صلاح دينهم ودنياهم . ولم يكن السيف والملك لغيره من الأنبياء . ثم يلي العلماء والسلاطين ، الصالحون الذين أصلحوا دينهم ونفوسهم فقط ، فلم تتم حكمة الله بهم بل فيهم . ومن عدا هؤلاء فهمج رعاع
هامش
« 1 » الذاريات : 23 « 2 » الطلاق : 12 « 3 » الطلاق : 12
إحياء علوم الدين — صفحة 96 | الغزالي