تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إحياء علوم الدين — صفحة 27

مساهمون:

ص٢٧
بالشّهوات ثمّ قال اذهب فانظر إليها فنظر فقال وعزّتك لقد خشيت أن لا يبقى أحد إلَّا دخلها وخلق الجنّة فقال لجبريل عليه السّلام اذهب فانظر إليها فنظر فقال وعزّتك لا يسمع بها أحد إلَّا دخلها فحفّها بالمكاره ثمّ قال اذهب فانظر إليها فنظر إليها فقال وعزّتك لقد خشيت أن لا يدخلها أحد « . فإذا كون الشهوة مرهقة في الحال ، وكون العقاب متأخر إلى المآل ، سببان ظاهران في الاسترسال ، مع حصول أصل الإيمان . فليس كل من يشرب في مرضه ماء الثلج لشدة عطشه ، مكذبا بأصل الطب ، ولا مكذبا بأن ذلك مضر في حقه . ولكن الشهوة تغلبه وألم الصبر عنه ناجز ، فيهون عليه الألم المنتظر . الثالث : أنه ما من مذنب مؤمن إلا وهو في الغالب عازم على التوبة ، وتكفير السيئات بالحسنات . وقد وعد بأن ذلك يجبره . إلا أن طول الأمل غالب على الطباع ، فلا يزال يسوّف التوبة والتكفير . فمن حيث رجاؤه التوفيق للتوبة ، ربما يقدم عليه مع الإيمان الرابع : أنه ما من مؤمن موقن ، إلا وهو معتقد أن الذنوب لا توجب العقوبة إيجابا لا يمكن العفو عنها . فهو يذنب وينتظر العفو عنها اتكالا على فضل الله تعالى فهذه أسباب أربعة موجبة للإصرار على الذنب ، مع بقاء أصل الإيمان . نعم قد يقدم المذنب بسبب خامس يقدح في أصل إيمانه ، وهو كونه شاكا في صدق الرسل ، وهذا هو الكفر . كالذي يحذره الطبيب عن تناول ما يضره في المرض . فإن كان المحذر ممن لا يعتقد فيه أنه عالم بالطب ، فيكذبه أو يشك فيه ، فلا يبالي به . فهذا هو الكفر فإن قلت : فما علاج الأسباب الخمسة ؟ فأقول هو الفكر وذلك بأن يقرر على نفسه في السبب الأول ، وهو تأخر العقاب ، أن كل ما هو آت آت ، وأن غدا للناظرين قريب ، وأن الموت أقرب إلى كل أحد من شراك نعله ، فما يدريه لعل الساعة قريب . والمتأخر إذا وقع صار ناجزا . ويذكر نفسه أنه أبدا في دنياه يتعب في الحال لخوف أمر في الاستقبال . إذ يركب البحار ، ويقاسى الأسفار ، لأجل الربح الذي يظن أنه قد يحتاج إليه في ثاني الحال . بل لو مرض فأخبره طبيب نصراني بأن شرب الماء البارد يضره ويسوقه إلى الموت ، وكان الماء البارد ألذ الأشياء عنده تركه ، مع أن الموت ألمه لحظة إذا لم يخف ما بعده ، ومفارقته للدنيا لا بد منها . فكم نسبة وجوده في الدنيا إلى عدمه أزلا وأبدا ؟ فلينظر كيف يبادر إلى ترك ملاذه بقول ذمي لم تقم معجزة على طبّه ، فيقول . كيف يليق