تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إحياء علوم الدين — صفحة 25

مساهمون:

ص٢٥
وكتب عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه إلى عدى بن أرطاة : أما بعد ، فإن الدنيا عدوة أولياء الله ، وعدوة أعداء الله . فأما أولياؤه فغمتهم . وأما أعداؤه فغرتهم . وكتب أيضا إلى بعض عماله : أما بعد ، فقد أمكنتك القدرة من ظلم العباد ، فإذا هممت بظلم أحد فاذكر قدرة الله عليك ، واعلم أنك لا تأتي إلى الناس شيئا إلا كان زائلا عنهم ، باقيا عليك . واعلم أن الله عز وجل آخذ للمظلومين من الظالمين والسلام فهكذا ينبغي أن يكون وعظ العامة ، ووعظ من لا يدرى خصوص واقعته . فهذه المواعظ مثل الأغذية التي يشترك الكافة في الانتفاع بها . ولأجل فقد مثل هؤلاء الوعاظ انحسم باب الاتعاظ ، وغلبت المعاصي ، واستسرى الفساد ، وبلى الخلق بوعاظ يزخرفون أسجاعا ، وينشدون أبياتا ، ويتكلفون ذكر ما ليس في سعة علمهم ، ويتشبهون بحال غيرهم . فسقط عن قلوب العامة وقارهم ، ولم يكن كلامهم صادرا من القلب ليصل إلى القلب . بل القائل متصلف ، والمستمع متكلف ، وكل واحد منهما مدبر ومتخلف . فإذن كان طلب الطبيب أول علاج المرضى ، وطلب العلماء أول علاج العاصين . فهذا أحد أركان العلاج وأصوله الأصل الثاني : الصبر ووجه الحاجة إليه أن المريض إنما يطول مرضه لتناوله ما يضره . وإنما يتناول ذلك إما لغفلته عن مضرته ، وإما لشدة غلبة شهوته . فله سببان . فما ذكرناه هو علاج الغفلة ، فيبقى علاج الشهوة . وطريق علاجها قد ذكرناه في كتاب رياضة النفس وحاصله أن المريض إذا اشتدت ضراوته لمأكول مضر ، فطريقه أن يستشعر عظم ضرره ، ثم يغيب ذلك عن عينه فلا يحضره ، ثم يتسلى عنه بما يقرب منه في صورته ولا يكثر ضرره ، ثم يصبر بقوة الخوف على الألم الذي يناله في تركه ، فلا بد على كل حال من مرارة الصبر . فكذلك يعالج الشهوة في المعاصي . كالشاب مثلا إذا غلبته الشهوة ، فصار لا يقدر على حفظ عينه ، ولا حفظ قلبه ، أو حفظ جوارحه في السعي وراء شهوته . فينبغي أن يستشعر ضرر ذنبه ، بأن يستقرى المخوفات التي جاءت فيه من كتاب الله تعالى وسنة رسوله صلَّى الله عليه وسلم . فإذا اشتد خوفه تباعد من الأسباب المهيجة لشهوته . ومهيج الشهوة من خارج ، هو حضور المشتهى والنظر إليه ، وعلاجه الهرب والعزلة . ومن داخل تناول لذائذ الأطعمة ، وعلاجه الجوع والصوم الدائم . وكل ذلك لا يتم إلا بصبر ،
إحياء علوم الدين — صفحة 25 | الغزالي