بعقلي أن يكون قول الأنبياء المؤيدين بالمعجزات عندي ، دون قول نصراني يدعى الطب لنفسه بلا معجزة على طبّه ، ولا يشهد له إلا عوام الخلق ؟ وكيف يكون عذاب النار عندي أخف من عذاب المرض ، وكل يوم في الآخرة بمقدار خمسين ألف سنة من أيام الدنيا ! وبهذا التفكر بعينه يعالج اللذة الغالبة عليه ، ويكلف نفسه تركها ، ويقول إذا كنت لا أقدر على ترك لذاتي أيام العمر وهي أيام قلائل ، فكيف أقدر على ذلك أبد الآباد ! وإذا كنت لا أطيق ألم الصبر ، فكيف أطيق ألم النار ! وإذا كنت لا أصبر عن زخارف الدنيا مع كدوراتها وتنغصها وامتزاج صفوها بكدرها ، فكيف أصبر عن نعيم الآخرة ! . وأما تسويف التوبة فيعالجه بالفكر في أن أكثر صياح أهل النار من التسويف ، لأن المسوّف يبنى الأمر على ما ليس إليه وهو البقاء فلعله لا يبقى . وإن بقي فلا يقدر على الترك غدا كما لا يقدر عليه اليوم . فليت شعري هل عجز في الحال إلا لغلبة الشهوة ؟ والشهوة ليست تفارقه غدا بل تتضاعف ، إذ تتأكد بالاعتياد . فليست الشهوة التي أكدها الإنسان بالعادة كالتي لم يؤكدها . وعن هذا هلك المسوّفون ، لأنهم يظنون الفرق بين المتماثلين ولا يظنون أن الأيام متشابهة في أن ترك الشهوات فيها أبدا شاق ، وما مثال المسوّف إلا مثال من احتاج إلى قلع شجرة فرآها قوية لا تنقلع إلا بمشقة شديدة ، فقال : أؤخرها سنة ثم أعود إليها ، وهو يعلم أن الشجرة كلما بقيت ازداد رسوخها ، وهو كلما طال عمره ازداد ضعفه . فلا حماقة في الدنيا أعظم من حماقته ، إذ عجز مع قوته عن مقاومة ضعيف . فأخذ ينتظر الغلبة عليه إذا ضعف هو في نفسه وقوى الضعيف . وأما المعنى الرابع ، وهو انتظار عفو الله تعالى ، فعلاجه ما سبق . وهو كمن ينفق جميع أمواله ويترك نفسه وعياله فقراء . منتظرا من فضل الله تعالى أن يرزقه العثور على كنز في أرض خربة . فإن إمكان العفو عن الذنب مثل هذا الإمكان . وهو مثل من يتوقع النهب من الظلمة في بلده ، وترك ذخائر أمواله في صحن داره ، وقدر على دفنها وإخفائها فلم يفعل ، وقال : أنتظر من فضل الله تعالى أن يسلط غفلة أو عقوبة على الظالم الناهب ، حتى لا يتفرغ إلى دارى ، أو إذا انتهى إلى دارى مات على باب الدار ، فإن الموت ممكن ، والغفلة ممكنة ، وقد حكي في الأسمار أن مثل ذلك وقع ، فأنا أنتظر من فضل الله مثله . فمنتظر هذا منتظر أمر ممكن ، ولكنه في غاية الحماقة والجهل ، إذ قد لا يمكن ولا يكون . وأما الخامس وهو شك فهذا كفر . وعلاجه الأسباب التي تعرفه صدق الرسل . وذلك يطول . ولكن يمكن أن يعالج بعلم قريب يليق بحد عقله
إحياء علوم الدين — صفحة 28
مساهمون: الغزالي
ص٢٨