تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إحياء علوم الدين — صفحة 29

مساهمون:

ص٢٩
فيقال له : ما قاله الأنبياء المؤيدون بالمعجزات هل صدقه ممكن ؟ أو تقول أعلم أنه محال ، كما أعلم استحالة كون شخص واحد في مكانين في حالة واحدة ؟ فإن قال أعلم استحالته كذلك فهو أخرق معتوه ، وكأنه لا وجود لمثل هذا في العقلاء . وإن قال أنا شاك فيه فيقال : لو أخبرك شخص واحد مجهول ، عند تركك طعامك في البيت لحظة ، أنه ولغت فيه حية ، وألقت سمها فيه ، وجوزت صدقه ، فهل تأكله أو تتركه ؟ وإن كان ألذ الأطعمة ؟ فيقول أتركه لا محالة ، لأني أقول إن كذب فلا يفوتني إلا هذا الطعام ، والصبر عنه وإن كان شديدا فهو قريب ، وإن صدق فتفوتني الحياة ، والموت بالإضافة إلى ألم الصبر عن الطعام وإضاعته شديد . فيقال له : يا سبحان الله ، كيف تؤخر صدق الأنبياء كلهم ، مع ما ظهر لهم من المعجزات ، وصدق كافة الأولياء ، والعلماء ، والحكماء ، بل جميع أصناف العقلاء ، ولست أعنى بهم جهال العوام بل ذوي الألباب ، عن صدق رجل واحد مجهول ، لعل له غرضا فيما يقول ! فليس في العقلاء إلا من صدّق باليوم الآخر ، وأثبت ثوابا وعقابا ، وإن اختلفوا في كيفيته ، فإن صدقوا فقد أشرفت على عذاب يبقى أبد الآباد . وإن كذبوا فلا يفوتك إلا بعض شهوات هذه الدنيا الفانية المكدرة : فلا يبقى له توقف إن كان عاقلا مع هذا الفكر إذ لا نسبة لمدة العمر إلى أبد الآباد . بل لو قدّرنا الدنيا مملوءة بالذرة ، وقدّرنا طائرا يلتقط في كل ألف ألف سنة حبة واحدة منها ، لفنيت الذرة ، ولم ينقص أبد الآباد شيئا . فكيف يفتر رأى العاقل في الصبر عن الشهوات مائة سنة مثلا ، لأجل سعادة تبقى أبد الآباد ! ولذلك قال أبو العلاء أحمد بن سليمان التنوخي المعرى
قال المنجم والطبيب كلاهما لا تبعث الأموات قلت إليكما إن صح قولكما فلست بخاسر أو صح قولي فالخسار عليكما
ولذلك قال علي رضي الله عنه لبعض من قصر عقله عن فهم تحقيق الأمور ، وكان شاكا : إن صح ما قلت فقد تخلصنا جميعا ، وإلا فقد تخلصت وهلكت . أي العاقل يسلك طريق الأمن في جميع الأحوال . فإن قلت . هذه الأمور جلية ، ولكنها ليست تنال إلا بالفكر ، فما بال القلوب هجرت الفكر فيها واستثقلته ، وما علاج القلوب لردها إلى الفكر ، لا سيما من آمن بأصل الشرع وتفصيله . فاعلم أن المانع من الفكر أمران : أحدهما أن الفكر النافع هو الفكر في عقاب الآخرة وأهوالها ، وشدائدها ، وحسرات العاصين في الحرمان عن النعيم المقيم . وهذا فكر لدّاغ مؤلم للقلب ، فينفر القلب عنه ، ويتلذذ بالفكر في أمور الدنيا على سبيل التفرج والاستراحة
إحياء علوم الدين — صفحة 29 | الغزالي