ولا يصبر إلا عن خوف ، ولا يخاف إلا عن علم ، ولا يعلم إلا عن بصيرة أو افتكار ، أو عن سماع وتقليد . فأول الأمر حضور مجالس الذكر ، ثم الاستماع من قلب مجرد عن سائر الشواغل ، مصروف إلى السماع ، ثم التفكر فيه لتمام الفهم وينبعث من تمامه لا محالة خوفه وإذا قوي الخوف تيسر بمعونته الصبر ، وانبعثت الدواعي لطلب العلاج ، وتوفيق الله وتيسيره من وراء ذلك . فمن أعطى من قلبه حسن الإصغاء ، واستشعر الخوف فاتقى ، وانتظر الثواب ، وصدّق بالحسنى ، فسييسره الله تعالى لليسرى . وأما من بخل واستغنى ، وكذب بالحسنى ، فسييسره الله للعسرى ، فلا يغنى عنه ما اشتغل به من ملاذ الدنيا مهما هلك وتردى . وما على الأنبياء إلا شرح طرق الهدى ، وإنما لله الآخرة والأولى فإن قلت : فقد رجع الأمر كله إلى الإيمان ، لأن ترك الذنب لا يمكن إلا بالصبر عنه والصبر لا يمكن إلا بمعرفة الخوف ، والخوف لا يكون إلا بالعلم ، والعلم لا يحصل إلا بالتصديق بعظم ضرر الذنوب والتصديق بعظم ضرر الذنوب هو تصديق الله ورسوله وهو الإيمان ، فكأن من أصر على الذنب لم يصر عليه إلا لأنه غير مؤمن ، فاعلم أن هذا لا يكون لفقد الإيمان ، بل يكون لضعف الإيمان . إذ كل مؤمن مصدق بأن المعصية سبب البعد من الله تعالى ، وسبب العقاب في الآخرة .
ولكن سبب وقوعه في الذنب أمور .
أحدها . أن العقاب الموعود غيب ليس بحاضر ،
والنفس جبلت متأثرة بالحاضر ، فتأثرها بالموعود ضعيف بالإضافة إلى تأثرها بالحاضر
الثاني : أن الشهوات الباعثة على الذنوب لذاتها ناجزة ، وهي في الحال آخذة بالمخنق .
وقد قوى ذلك واستولى عليها بسبب الاعتياد والألف ، والعادة طبيعة خامسة ، والنزوع عن العاجل لخوف الآجل شديد على النفس . ولذلك قال تعالى * ( كَلَّا بَلْ تُحِبُّونَ الْعاجِلَةَ وتَذَرُونَ الآخِرَةَ ) * « 1 » وقال عز وجل * ( بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَياةَ الدُّنْيا ) * « 2 » وقد عبّر عن شدة الأمر قول رسول الله صلَّى الله عليه وسلم [ 1 ] « حفّت الجنّة بالمكاره وحفّت النّار بالشهوات » وقوله صلَّى الله عليه وسلم [ 2 ] « إنّ الله تعالى خلق النّار فقال لجبريل عليه السّلام اذهب فانظر إليها فنظر إليها فقال وعزّتك لا يسمع بها أحد فيدخلها فحفّها
شرح
[ 1 ] حديث حفت الجنة بالمكاره - الحديث : متفق عليه من حديث أبي هريرة
[ 2 ] حديث إن الله خلق النار فقال لجبريل اذهب فانظر إليها - الحديث : أبو داود والترمذي والحاكم وصححه من حديث أبي هريرة وقدم فيه ذكر الجنة
هامش
« 1 » القيامة : 20
« 2 » الأعلى : 16