تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إحياء علوم الدين — صفحة 30

مساهمون:

ص٣٠
والثاني : أن الفكر شغل في الحال مانع من لذائذ الدنيا وقضاء الشهوات وما من إنسان إلا وله في كل حالة من أحواله ، ونفس من أنفاسه ، شهوة قد تسلطت عليه واسترقته . فصار عقله مسخرا لشهوته ، فهو مشغول بتدبير حيلته ، وصارت لذته في طلب الحيلة فيه أو في مباشرة قضاء الشهوة ؟ والفكر يمنعه من ذلك . وأما علاج هذين المانعين ، فهو أن يقول لقلبه : ما أشد غباوتك في الاحتراز من الفكر في الموت وما بعده ، تألما بذكره ، مع استحقار ألم مواقعته . فكيف تصبر على مقاساته إذا وقع ، وأنت عاجز عن الصبر على تقدير الموت وما بعده ، ومتألم به ! وأما الثاني وهو كون الفكر مفوّتا للذات الدنيا ، فهو أن يتحقق أن فوات لذات الآخرة أشد وأعظم . فإنها لا آخر لها ، ولا كدورة فيها . ولذّات الدنيا سريعة الدثور ، وهي مشوبة بالمكدرات . فما فيها لذة صافية عن كدر . وكيف وفي التوبة عن المعاصي والإقبال على الطاعة تلذذ بمناجاة الله تعالى ، واستراحة بمعرفته ، وطاعته ، وطول الأنس به ! ولو لم يكن للمطيع جزاء على عمله إلا ما يجده من حلاوة الطاعة ، وروح الأنس بمناجاة الله تعالى لكان ذلك كافيا . فكيف بما ينضاف إليه من نعيم الآخرة ! نعم هذه اللذة لا تكون في ابتداء التوبة ، ولكنها بعد ما يصبر عليها مدة مديدة ، وقد صار الخير ديدنا ، كما كان الشر ديدنا . فالنفس قابلة ما عودتها تتعود ، والخير عادة ، والشر لجاجة فإذا هذه الأفكار هي المهيجة للخوف المهيج لقوة الصبر عن اللذات . ومهيج هذه الأفكار وعظ الوعاظ ، وتنبيهات تقع للقلب بأسباب تتفق لا تدخل في الحصر ، فيصير الفكر موافقا للطبع ، فيميل القلب إليه . ويعبر عن السبب الذي أوقع الموافقة بين الطبع والفكر الذي هو سبب الخير بالتوفيق . إذ التوفيق هو التأليف بين الإرادة وبين المعنى الذي هو طاعة نافعة في الآخرة . وقد روي في حديث طويل ، أنه قام عمار بن ياسر فقال لعلي بن أبي طالب كرم الله وجهه : يا أمير المؤمنين ، أخبرنا عن الكفر على ما ذا بني فقال عليّ رضي الله عنه : بني على أربع دعائم . على الجفاء ، والعمى ، والغفلة ، والشك . فمن جفا احتقر الحق ، وجهر بالباطل . ومقت العلماء ومن عمي نسي الذكر . ومن غفل حاد عن الرشد . ومن شك غرته الأماني ، فأخذته الحسرة والندامة ، وبدا له من الله ما لم يكن يحتسب فما ذكرناه بيان لبعض آفات الغفلة عن التفكر . وهذا القدر في التوبة كاف . وإذا كان الصبر ركنا من أركان دوام التوبة . فلا بد من بيان الصبر ، فنذكره في كتاب مفرد إن شاء الله تعالى
إحياء علوم الدين — صفحة 30 | الغزالي