وخذ من الدنيا بلاغك ، وأنفق فضول كسبك لآخرتك ، ولا ترفض الدنيا كل الرفض فتكون عيالا ، وعلى أعناق الرجال كلَّا ، وصم صوما يكسر شهوتك ، ولا تصم صوما يضر بصلاتك ، فإن الصلاة أفضل من الصوم ، ولا تجالس السفيه ، ولا تخالط ذا الوجهين وقال أيضا لابنه . يا بني ، لا تضحك من غير عجب ، ولا تمش في غير أرب ، ولا تسأل عما لا يعنيك ، ولا تضيع مالك وتصلح مال غيرك ، فإن مالك ما قدمت ومال غيرك ما تركت يا بني ، إن من يرحم يرحم ، ومن يصمت يسلم ، ومن يقل الخير يغنم ، ومن يقل الشر يأثم ومن لا يملك لسانه يندم . وقال رجل لأبي حازم أوصني . فقال كل ما لو جاءك الموت عليه فرأيته غنيمة فالزمه . وكل ما لو جاءك الموت عليه فرأيته مصيبة فاجتنبه ، وقال موسى للخضر عليهما السلام أوصني . فقال : كن بسّاما ولا تكن غضّابا . وكن نفّاعا ولا تكن ضرّارا :
وانزع عن اللجاجة ، ولا تمش في غير حاجة ، ولا تضحك من غير عجب ، ولا تعير الخطائين بخطاياهم ، وابك على خطيئتك يا ابن عمران . وقال رجل لمحمد بن كرام أوصني . فقال :
اجتهد في رضا خالقك بقدر ما تجتهد في رضا نفسك . وقال رجل لحامد اللفاف أوصني . فقال :
اجعل لدينك غلافا كغلاف المصحف أن تدنسه الآفات . قال وما غلاف الدين قال ترك طلب الدنيا إلا ما لا بد منه ، وترك كثرة الكلام إلا فيما لا بد منه ، وترك مخالطة الناس إلا فيما لا بد منه . وكتب الحسن إلى عمر بن عبد العزيز رحمهم الله تعالى . أما بعد ، فخف مما خوفك الله ، واحذر مما حذّرك الله ، وخذ مما في يديك لما بين يديك ، فعند الموت يأتيك الخبر اليقين والسلام . وكتب عمر بن عبد العزيز إلى الحسن يسأله أن يعظه ، فكتب إليه أما بعد ، فإن الهول الأعظم والأمور المفظعات أمامك ، ولا بد لك من مشاهدة ذلك إما بالنجاة وإما بالعطب . واعلم أن من حاسب نفسه ربح ، ومن غفل عنها خسر ، ومن نظر في العواقب نجا ، ومن أطاع هواه ضل ، ومن حلم غنم ، ومن خاف أمن ، ومن أمن اعتبر ومن اعتبر أبصر ، ومن أبصر فهم ، ومن فهم علم . فإذا زللت فارجع ، وإذا ندمت فاقلع وإذا جهلت فاسأل ، وإذا غضبت فأمسك . وكتب مطرف بن عبد الله إلى عمر بن عبد العزيز رحمه الله : أما بعد ، فإن الدنيا دار عقوبة ، ولها يجمع من لا عقل له ، وبها يغتر من لا علم عنده . فكن فيها يا أمير المؤمنين كالمداوى جرحه ، يصبر على شدة الدواء لما يخاف من عاقبة الداء
إحياء علوم الدين — صفحة 24
مساهمون: الغزالي
ص٢٤