تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إحياء علوم الدين — صفحة 22

مساهمون:

ص٢٢
قد وجه إلىّ فاشخصنى من الرقة . فلما أتيته قال لي : أما استحييت من الله تعالى ؟ كنت قائما بين يديه ، فساورت نفسك بشهوة حتى استولت عليك برقة وأخرجتك من بين يدي الله تعالى ؟ فلو لا أنى دعوت الله لك ، وتبت إليه عنك ، للقيت الله بذلك اللون . قال فعجبت كيف علم بذلك وهو ببغداد وأنا بالرقة . واعلم أنه لا يذنب العبد ذنبا إلا ويسود وجه قلبه . فإن كان سعيدا أظهر السواد على ظاهره لينزجر . وإن كان شقيا أخفى عنه حتى ينهمك ويستوجب النار . والأخبار كثيرة في آفات الذنوب في الدنيا ، من الفقر ، والمرض وغيره . بل من شؤم الذنب في الدنيا على الجملة أن يكسب ما بعده صفته . فإن ابتلى بشيء كان عقوبة له ، ويحرم جميل الرزق ، حتى يتضاعف شقاؤه . وإن أصابته نعمة كانت استدراجا له ، ويحرم جميل الشكر . حتى يعاقب على كفرانه . وأما المطيع ، فمن بركة طاعته أن تكون كل نعمة في حقه جزاء على طاعته ، ويوفق لشكرها . وكل بلية كفارة لذنوبه ، وزيادة في درجاته النوع الرابع : ذكر ما ورد من العقوبات على آحاد الذنوب ، كالخمر ، والزنا ، والسرقة ، والقتل ، والغيبة ، والكبر ، والحسد . وكل ذلك مما لا يمكن حصره . وذكره مع غير أهله وضع الدواء في غير موضعه . بل ينبغي أن يكون العالم كالطبيب الحاذق ، فيستدل أولا بالنبض ، والسحنة ، ووجوده الحركات ، على العلل الباطنة . ويشتغل بعلاجها ، فليستدل بقرائن الأحوال على خفايا الصفات ، وليتعرض لما وقف عليه اقتداء برسول الله صلَّى الله عليه وسلم ، [ 1 ] حيث قال له واحد : أوصني يا رسول الله ولا تكثر علىّ . قال « لا تغضب » [ 2 ] وقال له آخر : أوصني يا رسول الله . فقال عليه السّلام « عليك باليأس ممّا في أيدي النّاس فإنّ ذلك هو الغنى وإيّاك والطَّمع فإنّه الفقر الحاضر وصلّ صلاة مودّع وإيّاك وما يعتذر منه » وقال رجل لمحمد بن واسع : أوصني . فقال . أوصيك أن تكون ملكا في الدنيا والآخرة . قال وكيف لي بذلك ؟ قال الزم الزهد في الدنيا . فكأنه صلَّى الله عليه وسلم توسم في السائل الأول مخايل الغضب فنهاه عنه . وفي السائل الآخر مخايل الطمع في الناس وطول الأمل . وتخيل محمد بن واسع في السائل مخايل الحرص على الدنيا . وقال رجل لمعاذ
شرح
[ 1 ] حديث قال رجل أوصني ولا تكثر على قال لا تغضب : تقدم [ 2 ] حديث قال له آخر أوصني قال عليك باليأس - الحديث : ابن ماجة والحاكم وقد تقدم