صار البلاء أحب إليهم من العافية . وهذه حالة لا يبعد وقوعها في غلبات الحب ، ولكنها لا تثبت . وإن ثبتت مثلا فهل هي حالة صحيحة ، أم حالة اقتضتها حالة أخرى وردت على القلب فمالت به عن الاعتدال ؟ هذا فيه نظر ، وذكر تحقيقه لا يليق بما نحن فيه . وقد ظهر بما سبق أن العافية خير من البلاء ، فنسأل الله تعالى المان بفضله على جميع خلقه ، العفو والعافية في الدين والدنيا والآخرة ، لنا ولجميع المسلمين
بيان الأفضل من الصبر والشكر
اعلم أن الناس اختلفوا في ذلك . فقال قائلون الصبر أفضل من الشكر ، وقال آخرون الشكر أفضل ، وقال آخرون هما سيان ، وقال آخرون يختلف ذلك باختلاف الأحوال ، واستدل كل فريق بكلام شديد الاضطراب ، بعيد عن التحصيل ، فلا معنى للتطويل بالنقل بل المبادرة إلى إظهار الحق أولى . فنقول في بيان ذلك مقامان .
المقام الأول : البيان على سبيل التساهل .
وهو أن ينظر إلى ظاهر الأمر ، ولا يطلب بالتفتيش بحقيقته . وهو البيان الذي ينبغي أن يخاطب به عوام الخلق ، لقصور أفهامهم عن درك الحقائق الغامضة . وهذا الفن من الكلام هو الذي ينبغي أن يعتمده الوعاظ . إذ مقصود كلامهم من مخاطبة العوام إصلاحهم . والظئر المشفقة لا ينبغي أن تصلح الصبي الطفل بالطيور السمان وضروب الحلاوات ، بل باللبن اللطيف . وعليها أن تؤخر عنه أطايب الأطعمة إلى أن يصير محتملا لها بقوته ، ويفارق الضعف الذي هو عليه في بنيته . فنقول هذا المقام في البيان يأبى البحث والتفصيل ، ومقتضاه النظر إلى الظاهر المفهوم من موارد الشرع وذلك يقتضي تفضيل الصبر . فإن الشكر وإن وردت أخبار كثيرة في فضله ، فإذا أضيف إليه ما ورد في فضيلة الصبر ، كانت فضائل الصبر أكثر . بل فيه ألفاظ صريحة في التفضيل ، كقوله صلَّى الله عليه وسلم [ 1 ] « من أفضل ما أوتيتم اليقين وعزيمة الصّبر » وفي الخبر [ 2 ] « يؤتى بأشكر أهل الأرض
شرح
[ 1 ] حديث من أفضل ما أوتيتم اليقين وعزيمة الصبر تقدم
[ 2 ] حديث يؤتى بأشكر أهل الأرض فيجزيه الله جزاء الشاكرين ويؤتى بأصبر أهل الأرض الحديث : لم أجد له أصلا