ويسأله الثواب في الآخرة على الشكر على نعمته ، فإنه قادر على أن يعطى على الشكر ما لا يعطيه على الصبر . فإن قلت : فقد قال بعضهم : أود أن أكون جسرا على النار يعبر علىّ الخلق كلهم فينجون ، وأكون أنا في النار ، وقال سمنون رحمه الله تعالى
وليس لي في سواك حظ
فكيفما شئت فاختبرنى
فهذا من هؤلاء سؤال للبلاء . فاعلم أنه حكي عن سمنون المحب رحمه الله أنه بلى بعد هذا البيت بعلة الحصر ، فكان بعد ذلك يدور على أبواب المكاتب ويقول للصبيان .
ادعوا لعمكم الكذاب . وأما محبة الإنسان ليكون هو في النار دون سائر الخلق فغير ممكنة ولكن قد تغلب المحبة على القلب ، حتى يظن المحب بنفسه حبا لمثل ذلك . فمن شرب كأس المحبة سكر ، ومن سكر توسع في الكلام . ولو زايله سكره علم أن ما غلب عليه كان حالة لا حقيقة لها . فما سمعته من هذا الفن فهو من كلام العشاق الذين أفرط حبهم . وكلام العشاق يستلذ سماعه ، ولا يعول عليه . كما حكي أن فاختة كان يراودها زوجها فمنعته ، فقال ما الذي يمنعك عنى ؟ ولو أردت أن أقلب لك الكونين مع ملك سليمان ظهرا لبطن لفعلته لأجلك .
فسمعه سليمان عليه السّلام ، فاستدعاه وعاتبه ، فقال ، يا نبيّ الله ، كلام العشاق لا يحكى .
وهو كما قال . وقال الشاعر
أريد وصاله ويريد هجرى
فأترك ما أريد لما يريد
وهو أيضا محال ، ومعناه أنى أريد ما لا يريد ، لأن من أراد الوصال ما أراد الهجر فكيف أراد الهجر الذي لم يرده بل لا يصدق هذا الكلام إلا بتأويلين . أحدهما : أن يكون ذلك في بعض الأحوال حتى يكتسب به رضاه الذي يتوصل به إلى مراد الوصال في الاستقبال ، فيكون الهجران وسيلة إلى الرضا ، والرضا وسيلة إلى وصال المحبوب ، والوسيلة إلى المحبوب محبوبة . فيكون مثاله مثال محب المال إذا أسلم درهما في درهمين ، فهو بحب الدرهمين يترك الدرهم في الحال .
الثاني : أن يصير رضاه عنده مطلوبا من حيث إنه رضاه فقط ، ويكون له لذة في استشعاره رضا محبوبه منه ، تزيد تلك اللذة على لذته في مشاهدته مع كراهته . فعند ذلك يتصور أن يريد ما فيه الرضا فلذلك قد انتهى حال بعض المحبين إلى أن صارت لذتهم في البلاء مع استشعارهم رضا الله عنهم ، أكثر من لذتهم في العافية من غير شعور الرضا . فهؤلاء إذا قدروا رضاه في البلاء